في صباحٍ عادي، وقف رجلٌ سبعيني أمام شاشة هاتفه، يحاول حجز موعدٍ طبي. كانت الخدمة، في وصف المؤسسة، «فورية وسهلة»، لكنها أمام عينيه بدت كدهليزٍ طويل: رقمٌ سري، ورمز تحقق، ورسالة تختفي قبل أن يتمكن من قراءتها. لم يكن الرجل أمياً؛ لقد قرأ الحياة جيداً، وربّى أبناءً، وخدم وطنه عقوداً، غير أن الباب الجديد لم يعترف بكل تلك الخبرة، وطلب منه مفتاحاً رقمياً لم يُمنح له.

هنا تكمن المفارقة: حين تنتقل الخدمات العامة إلى الفضاء الإلكتروني، قد تختصر الطريق على الملايين، لكنها قد تطيله على إنسان واحد حتى يصبح العبور مستحيلاً. والعدالة لا تُقاس بسرعة وصول الأسرع، وإنما بقدرة الأبطأ على الوصول من دون إذلال أو ارتهان للآخرين.

لقد حققت البحرين تقدماً يبعث على الاعتزاز، إذ جاءت في المرتبة الثامنة عشرة عالمياً في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية لعام 2024، متقدمة 36 مركزاً. غير أن قيمة هذا الإنجاز لا تكتمل بعدد الخدمات التي غادرت المكاتب إلى الشاشات، بل بعدد البشر الذين استطاعوا مغادرة قلقهم والدخول إليها بثقة واستقلال.

وتكشف الأرقام اتساع المسافة بين الأجيال: ففي الدول العربية استخدم الإنترنت عام 2024 نحو 86% من الشباب بين 15 و24 عاماً، مقابل 67% لبقية السكان. وعالمياً بقي 2.6 مليار إنسان خارج الشبكة. هذه ليست فجوة في الأجهزة وحدها؛ إنها فجوة في اللغة والسرعة والثقة، وفي الخوف من زرّ قد يبدد مالاً أو يكشف بيانات أو يلغي معاملة.

أما الاحتيال الرقمي، فيعرف جيداً أين توجد الهشاشة. رسالة مزيفة، أو رابط يشبه موقعاً رسمياً، قد يحوّل معاش سنوات إلى غنيمة في دقائق. وحين يضطر كبير السن إلى تسليم هاتفه ورموزه السرية لقريب أو عامل كي ينجز حقاً أساسياً، فنحن لا نقدم له خدمة، بل ننتزع منه خصوصيته تحت اسم التحديث.

ولا ينبغي أن تتحول الأسرة إلى مكتب خدمات دائم؛ لأن مساعدة الأبناء جميلة، لكن الاعتماد الإجباري يسلب الكبير قراره وكرامته واستقلاله الشخصي أيضاً. وهذا ثمن إنساني لا يجوز أن تدفعه فئة خدمت المجتمع طويلاً.

العالم نفسه يتجه إلى الشيخوخة؛ فعدد من بلغوا الستين فأكثر مرشح للوصول إلى 2.1 مليار شخص بحلول 2050. لذلك فإن تصميم الخدمات لكبار السن ليس باباً من أبواب المجاملة الاجتماعية، بل تخطيطٌ لعالم الغد. نحن لا نصمم لهم وحدهم؛ نصمم لأنفسنا حين نصل إلى أعمارهم، ولحقنا المقبل في ألا تصبح الشيخوخة عقوبة تقنية.

المطلوب «حق في المسار البديل»: نافذة بشرية لا تُغلق، وخط مساعدة يجيب بصوت لا بتسجيل، وواجهات بحروف واضحة وخطوات قليلة، ومراكز تدريب في الأندية والمراكز الصحية، مع اختبار كل خدمة بواسطة كبار السن قبل إطلاقها.

* إعلامية وباحثة أكاديمية