إنّ للمقدسات حُرُماتٍ لا تُقاس بمساحة الأرض، ولا تُحدّ بحدود البشر؛ غير أنّ بيتاً اختاره الله، ونسبه إلى نفسه تشريفاً، وجعله مثابةً للناس وأمناً، وقبلةً للمسلمين وحرماً؛ تهوي إليه الأفئدة قبل أن تقصده الأقدام، وتحنّ إليه الأرواح قبل أن تكتحل برؤيته الأجفان.

ذلك بيت الله الحرام.

لم يختر إبراهيم عليه السلام موضع البيت من رأيه، بل بوّأه الله مكانه، فقال سبحانه: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ). ثم قال سبحانه: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً)، ودعا الخليل: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً)؛ فاجتمع له شرف المكان، وحرمة البنيان، وأمن الإنسان.

وحين أعلنت المملكة العربية السعودية اعتراضَ وتدميرَ طائرةٍ مسيّرة أطلقتها جماعة الحوثي الإرهابي باتجاه مكة المكرمة قبل دخولها مجالها الجوي المحظور، جاء الموقف على قدر المقام: حزمٌ لا يلين، وعزمٌ لا يستكين؛ أمن مكة مصون، وحرمها مأمون، ومقدساتها لا تُهان، وحماية الحرمين عهدٌ يُصان وأمانةٌ لا تُخان.

وسارعت مملكة البحرين إلى الاستنكار ببيانٍ جليّ وموقفٍ وفيّ، وتتابعت المواقف الخليجية والعربية والإسلامية؛ فاجتمعت الكلمة على صون البيت، ورفض كل عدوانٍ أو امتهان.

وتعجز كلمات الثناء أن تفي المملكة حقها، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان؛ فقد حملت أمانة الحرمين حفظاً ورعاية، وصانتهما أمناً وعناية، وسخّرت لخدمتهما الرجال والإمكانات.

ومن أراد أن يعرف عِظَم الجرم في إرادة السوء بالحرم، فليقرأ: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). فتأمّل: لم يقل سبحانه ومن يفعل، بل قال (وَمَنْ يُرِدْ)؛ فجعل للإرادة حساباً، وللقصد وعيداً، فكيف بمن دبّر ووجّه، وأطلق واستهدف؟

ثم ارجع إلى التاريخ؛ ففي صفحاته اعتبار، وفي حوادثه إنذار، وفي سننه للمتجبّر انكسار. جاء أصحاب الفيل يريدون البيت، وفي مقدمتهم أبرهة كما حفظت كتب السيرة، بجيشٍ ظنّه غالبًا لا يُغلب؛ وما علم أنّ للبيت ربًا يحميه، وللحرم ربًا يصونه.

فسجّل القرآن الواقعة لا خبراً يُروى، بل آيةً تُتلى وسنّةً لا تبلى:

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ).

فالعبرة في الكيد ومآله؛ خرجوا في قوةٍ فآبوا بخيبة، وأقبلوا في زهوٍ فانقلبوا بهزيمة، وأرادوا للبيت زوالاً فكان الزوال لهم؛ فبقي البيت والطواف والتكبير، ولم يبقَ منهم إلا خبر كيدٍ أُبطل وغرورٍ أُذل.

والحوثي، كالصفوي في هذا القياس، غيّر مذهبه طمعاً في السلطة، لا إيماناً صادقاً بالمذهب؛ فجاء بمشروعٍ يوظّف المذهب والسياسة معاً طلباً للنفوذ والتمكين. فإذا صار المذهب أداة، والشعار مطيّة، والمظلومية ذريعة، والحكم غاية؛ صار السؤال: ماذا صُنِع بالمذهب؟ وأيُّ سلطانٍ طُلب باسمه؟ وأيُّ نفوذٍ ابتُغي تحت رسمه؟

وطوبى لمن بقي على صفاء مذهبه ونقاء معتقده، فلم يلوّثه بدنس التوظيف السياسي، ولم يزجّ به في مسالك الحكم الثيوقراطي؛ كما وقع في المسلك الصفوي، وفي ولاية الفقيه، ثم سار على النهج ذاته الحوثي وزمرته. فالمذهب إذا بقي عبادةً وعلماً وخلقاً، صان أهله ورفع قدره؛ وإذا حُمّل مطامع السلطان، وشهوة النفوذ، ومنازعات الحكم، أفسده الطامعون، وابتذله المتاجرون، وأضاعه من زعموا أنهم له ناصرون.

ومن هنا يبلغ التناقض منتهاه عند مكة؛ فأي مشروعٍ يرفع اسم الله ثم يمتد سلاحه إلى جهة بيت الله؟ وأي رايةٍ دينية تبقى لها حرمة إذا صارت القبلة في دائرة التهديد؟ وهنا تسقط الشعارات، وتنفضح المسارات، وتنكشف الستارات.

إنها مكة؛ إذا ذُكرت سكنت القلوب، وإذا رُئي بيتها هطلت العيون. فيها مقام إبراهيم، ومنها القبلة، وإليها الحج؛ يأتيها الناس لا يحملون سلاحاً بل دعاء، ولا يطلبون سلطاناً بل رجاء.

ومن يستكثر على المسلمين غضبتهم إذا مُسّت حرمة مكة، فليعد بذاكرته إلى حريق كاتدرائية نوتردام؛ يوم توالت بيانات التضامن، وتدفقت مئات الملايين لإعادة ما أتلفه الحريق من بنيان. فإذا هبّ العالم لحريقٍ عارض، فكيف يُستنكر غضب أمةٍ حين يمتد التهديد عمداً وبالسلاح إلى مكة وبيت الله الحرام؟ هناك حادثٌ عابر، وهنا قصدٌ سافر، وبين العارض والقاصد بونٌ لا يستره بيان ولا يموّهه بهتان.

وعلى العالم أن يبتعد عن وزن الإرهاب بمكيال المصلحة، وألّا تتبدّل صفته بتبدّل المسافة والراية؛ فقد رُفع عن الحوثي التصنيف سنواتٍ اتسعت خلالها شبكات تمويله، ونمت موارده، وتطورت تجهيزاته العسكرية، وتعاظمت قدراته بالصواريخ والطائرات المسيّرة؛ ثم أُعيد تصنيفه إرهابيّاً، فإذا به يُجلس معه إلى التفاوض، ويُكتفى منه بتعهّدٍ ألا تمسّ بعض السفن، فيما يبقى سلاحه موجّهاً إلى سفنٍ أخرى. فالإرهاب لا تبرّئه موائد الحوار، ولا تُطهّره تعهّدات البحار، ولا يصبح الخطر مقبولاً إذا ابتعد عن الدار واقترب من الجار.

وفي سنن الله ما يُغني عن طول البيان؛ فالبغي وإن طال فإلى زوال، والظلم وإن صال فإلى اضمحلال، والباطل وإن انتفخ فإلى انحلال. ومن جعل الناس وقوداً لمشروعه، والدين مطيةً لسلطانه، حمل في أسباب بقائه بذور فنائه.

واليمن أكبر من جماعة، وأقدم من راية، وأبقى من حربٍ ووصاية؛ فالدولة أبقى من الميليشيا، والوطن أوسع من مشروعٍ ودعاية، والشعب أرسخ من بندقيةٍ وراية. وسيبقى اليمن لأهله، ووحدته سياجه، واستقلاله منهاجه.

وتُعلّمنا الحروب أنّ الدولة لا تُهزم بعدوّ أمامها وحده، بل قد تُؤتى من فسادٍ في داخلها، وخيانةٍ في ظهرها، وذمّةٍ اشتراها المال فأعماها. فلا وطن يُبنى على خائن، ولا نصر يُصان بيد من يبيع أهله أو يفرّط فيما حرّره جيشه؛ فالعدو أمامك خطر، والخائن خلفك شرر.

وهذه هي العبرة: بيت الله حرام، ومكة أمنٌ وأمان، وسنن الله ماضية لا يحجبها سلطان ولا يردّها طغيان.

ذهب الفيل وبقي البيت، وسقط الكيد وبقي التوحيد، وفني المعتدون وبقي النداء؛ يزول المعتدي ويبقى الحرم، ويفنى السلطان ويبقى القرآن.

فمن ظنّ أن المسيّرة تعلو حرمة مكة، فليفتح المصحف وليتدبّر؛ ومن ظنّ أن السلاح أمضى من سنن الله، فليقرأ التاريخ وليتذكّر؛ ومن ظنّ أن الكيد إذا عظم نجا صاحبه من العاقبة، فلينظر في مصائر من طغى وتجبّر ثم ليعتبر:

(أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ).