في الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام، يحتفي العالم باليوم الدولي للسلام، وهي مناسبة قد تُرى كمجرد يوم رمزي يضاف إلى تقويم الأيام العالمية الموضوع من قبل الأمم المتحدة، لكنها بالنسبة لمملكة البحرين تحمل معاني أعمق بكثير، إذ هي بمثابة التذكير بقيمة تعيش تحت ظلالها البحرين منذ قديم الأزل. وقد جاءت الندوة التي أقامها مؤخراً مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح بهذه المناسبة، لتؤكد هذا المعنى بالضبط، أن التسامح في البحرين ليس شعاراً يُرفع متى ما بدا لنا ذلك، بل هوية راسخة يعيشها المجتمع بكافة أطيافه.
ما يميز البحرين، ويجعلها نموذجاً يُعتد به إقليمياً ودولياً، هو أن التعايش فيها ليس نتاج سياسة حديثة أو مبادرة طارئة، وإنما هو نسيج ضارب بجذوره في التاريخ. فمنذ مئات السنين، شكلت هذه الجزيرة بموقعها الاستراتيجي في قلب الخليج العربي، محطة التقاء للحضارات والأديان والثقافات، حيث تعايشت فيها الطوائف والديانات المختلفة جنباً إلى جنب، في نسيج اجتماعي واحد لم تفرّقه الاختلافات، بل أثرته وأضافت إليه. وحين نتحدث اليوم عن كنائس ومساجد ومعابد متجاورة في شوارع المنامة القديمة، فإننا لا نتحدث عن استثناء عابر، بل عن امتداد طبيعي لتاريخ طويل من قبول الآخر، واحترام التعدد.
وقد جاء تأسيس مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح ليضفي على هذا الإرث التاريخي إطاراً مؤسسياً حديثاً، يترجم هذه القيم إلى برامج ومبادرات فاعلة، تخاطب العالم بلغة العصر، وتقدم تجربة البحرين كنموذج قابل للدراسة. فالندوة، التي أقامها المركز بمناسبة اليوم الدولي للسلام، وما تضمنته من حديث عن قيم التسامح المشتركة بين مختلف الأديان والطوائف في المملكة، وعن التعايش في البحرين على مر التاريخ، من قِبل متحدثين يمثلون الفئات المختلفة، كانت تحمل رسائل موجّهة إلى الداخل والخارج معاً، بأن هذا الوطن الصغير يملك تجربة كبيرة تستحق أن تُروى، في كل محفل.
غير أن الحديث عن التعايش والتسامح لا يكتمل دون التوقف عند الدور الحيوي الذي تضطلع به مؤسسات المجتمع المدني في هذا المجال، فهذه المؤسسات، بمختلف تخصصاتها واهتماماتها، تمثل الذراع الفاعلة التي تنقل قيم التسامح من الخطاب النظري إلى الممارسة اليومية، سواء عبر برامج التوعية والتثقيف، أو من خلال المشاركة في المحافل الإقليمية والدولية التي تحمل فيها صوت البحرين ورسالتها الحضارية. فحين تشارك جمعية أو مؤسسة أهلية بحرينية في مؤتمر دولي حول التعايش الديني، أو في منتدى إقليمي حول مكافحة التطرّف، فإنها لا تمثل نفسها فقط، بل تمثل نموذجاً وطنياً كاملاً أثبت جدواه وفاعليته على أرض الواقع، وهذا الدور المؤسسي المتنامي لمنظمات المجتمع المدني يستحق كل الدعم والتمكين، لأنه يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة خطابات الكراهية والتطرّف التي مازالت للأسف تجد موطئ قدم لها في مناطق أخرى من العالم.
وبعد كل ما سردناه، يبقى السؤال الأهم: من سيحمل مشعل هذه القيم في المستقبل؟ الإجابة، بلا أدنى شك، سيحملها الشباب، فالجيل الشاب في البحرين، بحكم كونه يمثل الشريحة الأكبر في المجتمع، يحمل على عاتقه اليوم مسؤولية مضاعفة، فهو ليس فقط وريثاً لهذا الإرث الحضاري من التعايش والتسامح، بل هو أيضاً الحارس المسؤول عن حمايته والرقي به في زمن باتت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تنقل في كثير من الأحيان خطابات متطرفة وأفكاراً مشوهة تهدد النسيج الاجتماعي في أكثر من بقعة حول العالم. فمن واجب الشاب البحريني اليوم أن يكون سفيراً لقيم بلده، سواء في تعامله اليومي مع من حوله من مختلف الأطياف، أو في حضوره الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي، أو حين يمثل بلده في محفل دولي أو برنامج تبادل ثقافي.
إن الحفاظ على البحرين كواحة للتعايش والتسامح ليس مسؤولية جهة واحدة أو مؤسسة بعينها، بل هو مشروع وطني جماعي، تتضافر فيه جهود القيادة الرشيدة، ومؤسسات الدولة، ومؤسسات المجتمع المدني، والأسرة، والمدرسة، وصولاً إلى كل فرد في هذا المجتمع. وفي النهاية، فإن الاحتفال باليوم الدولي للسلام في البحرين ليس مناسبة لاستعراض ما تحقق فحسب، بل هو دعوة متجدّدة لكل بحريني، وعلى رأسهم الشباب، لأن يكون كل واحد منهم سفيراً حياً لقيم التعايش والتسامح، لا بالكلام فقط، بل بالسلوك اليومي الذي يجعل من هذا الوطن، كما كان دائماً، نموذجاً يُحتذى به، وواحة سلام حقيقية وسط عالم يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مثل هذه النماذج المشرقة.