في زمنٍ لم تعد فيه الأزمات تأتي منفردة، ولم تعد حدودها تقف عند جغرافيا دولة أو قطاع بعينه، يصبح السؤال الحقيقي أمام الدول: ماذا فعلنا قبل أن تقع الأزمة؟ فالدولة التي تنتظر الحدث حتى يقع، تدخل سباقاً مع الوقت، أما الدولة التي تقرأ إشاراته الأولى، فإنها تدخل إليه وهي تحمل شيئاً أهم من رد الفعل: تحمل الاستعداد.

ومن هنا تبدو «الاستباقية» أكثر من مصطلح إداري أو أسلوب في إدارة الأزمات؛ إنها عقلية دولة تنظر إلى المستقبل باعتباره مساحة يجب الاستعداد لها منذ اليوم. وهذا ما يبرز في تجربة مملكة البحرين، التي عملت خلال السنوات الماضية على بناء منظومة وطنية تقوم على الجاهزية والتنسيق واستمرارية الخدمات، بحيث لا تكون مواجهة الأزمة مسؤولية وزارة منفردة، وإنما مسؤولية وطنية تتكامل فيها الأدوار. وقد أكدت المنظومة الحكومية البحرينية أهمية التنسيق الوطني خلال الطوارئ والكوارث، وتعزيز المرونة واستمرارية الأعمال والخدمات الحيوية.

ولعل ما تشهده المنطقة والإقليم اليوم يجعل هذا النهج أكثر وضوحاً وأهمية. فالأحداث المتسارعة أثبتت أن الأمن لم يعد مفهوماً عسكرياً فقط، وأن حماية المجتمع تتصل بالطاقة والغذاء والمياه والصحة والاتصالات والاقتصاد والأمن السيبراني والإعلام، وصولاً إلى قدرة المؤسسات على الاستمرار في أداء وظائفها مهما تبدلت الظروف. وفي هذا السياق، تبدو قيمة التنسيق بين مؤسسات الدولة في البحرين واضحة. ففي يناير 2026، بحث مجلس الدفاع المدني مشروع الإنذار المبكر اللاسلكي، بمشاركة عدد من الوزارات والجهات ذات الصلة، مع التركيز على الجاهزية الوطنية وتكامل القطاعات. كما أظهرت التطورات التي شهدتها المملكة خلال عام 2026 أهمية الاستعداد المسبق وسرعة التنسيق بين الجهات المعنية، واستمرار الخدمات وسلاسل الإمداد والقطاعات الحيوية في مواجهة الظروف الاستثنائية.

والدرس الأعمق هنا أن الاستباقية لا تقيس نجاحها فقط بما تمنعه من خسائر، وإنما بما تحافظ عليه من حياة طبيعية وسط الاضطراب. فكل خدمة تستمر، وكل منشأة تعمل، وكل مواطن يشعر بالأمان، وكل معلومة صحيحة تصل في الوقت المناسب، هي في حقيقتها ثمرة استعداد سابق.لقد أدركت البحرين أن المستقبل لا يُنتظر حتى يصل، وإنما يُقرأ من مقدماته، وتُبنى له الأدوات، وتتكامل من أجله مؤسسات الدولة. وفي عالم تتغير فيه الأزمات قبل أن تنتهي، تصبح الاستباقية أحد أهم أشكال قوة الدولة؛ لأنها تنقلها من موقع من يلاحق الأحداث إلى موقع من يستعد لها، ويحول القلق من المستقبل إلى قدرة على التعامل معه بثقة واتزان.

* إعلامية وباحثة أكاديمية