خلال جولتنا في سوق السفر العربي في دبي عرجنا على موقع هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق» وهناك كان لنا اكتشاف جميل لأحد المشاريع السياحية اللافتة في إمارة الشارقة وهو منتزه مليحة الوطني الذي يقدم مفهوماً مختلفاً للسياحة الذي يجمع بين الطبيعة والتاريخ والمغامرة والتعليم ويعيد تعريف الرحلة العائلية باعتبارها فرصة للمعرفة والاكتشاف لا مجرد ترفيه عابر.
ما لفت نظرنا الإرث التاريخي الذي تزخر به هذه المنطقة السياحية الهامة على مستوى الإمارات حيث تكتسب مليحة أهمية تاريخية استثنائية، إذ تشير الشواهد الأثرية إلى وجود استيطان بشري يعود إلى نحو 220 ألف سنة فيما أدرج موقع الفاية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو ليصبح أول موقع تراث عالمي في إمارة الشارقة وهناك كذلك صخرة الأحفورة، والتي هي عبارة عن مستعمرة كاملة من الأحافير، والتي تأتي لتؤكد مليحة هي منطقة صحراوية فعلاً ولكنها من قبل 80 مليون سنة كانت في قاع المحيط ودليلها الأحافيرالموجودة وجبل مليحة وجبل الفاية يعتبران أماكن جميلة لمن ينشد المشي الجبلي «الهايكنج « حيث سيجد فيه ملايين الأحافير مما يعني أن هذا الموقع السياحي يعزز السياحة العلمية والرياضية كذلك.
ومن الأماكن المميزة كذلك صخرة الجمل وهذه الصخور تختلف عن سلسلة جبال الحجر الموجودة في رأس الخيمة وعمان وتعتبر صخور رسوبية وهي واحدة من الأدلة كذلك أن المنطقة كانت عبارة عن بحر في يوم من الأيام، وتحولت إلى صحراء، وتحمل مليحة إرثاً حضارياً غنياً تعاقبت عليه خمس فترات تاريخية هي العصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث والعصر البرونزي والعصر الحديدي وفترة ما قبل الإسلام في شواهد توثق رحلة الإنسان، وتطور حياته في المنطقة عبر آلاف السنين علماً أن موقع الفاية المدرج على القائمة التمهيدية لليونسكو يركز على الأدلة المرتبطة بالعصرين الحجري القديم والحديث وفقاً لملف اليونسكو؛ مما يعني أن مثل هذه المواقع مواقع قد تستقطب اهتمام الزوار والسياح الأجانب من كل أنحاء العالم لاسيما المهتمين بعلم الآثار ودراسة الحضارات القديمة وتاريخ الإنسان وتطوره.
ويمتد منتزه مليحة الوطني على مساحة 34 كيلومتراً مربعاً ويضم ثلاث مناطق رئيسية وهي الحفاظ على الطبيعة والكثبان الرملية ومناطق السياحة البيئية، ويأتي المشروع امتداداً لجهود الشارقة في صون إرثها الطبيعي والتاريخي وتقديمه للأجيال القادمة بأساليب عصرية ومستدامة حيث بدأ مركز مليحة للآثار في عام 2016 للتعريف بتاريخ المنطقة ومكتشفاتها قبل أن يصبح عام 2025 مركز الزوار للمنتزه الوطني وما يلفت الانتباه، وأنت تتجول داخل قسم مشروع مليحة في سوق السفر العربي هو توجه السياحة في الشارقة نحو الجمع بين المتعة والتعليم ولا سيما في البرامج الموجهة للأطفال وفئة الشباب فبدلاً من اقتصار الرحلات العائلية على التسوق وزيارة المجمعات التجارية والجولات الترفيهية المعتادة تقدم مليحة بديلاً يجعل الطفل مشاركاً في اكتشاف العالم من حوله، ويمنحه فرصة للتعلم من الطبيعة مباشرة حيث هناك ورش البحث عن الأحافير يتعرف الأطفال خلالها على التاريخ الجيولوجي للمنطقة، ويصنعون قوالب للأحافير، ثم ينطلقون في رحلات استكشافية للبحث عنها في البيئة الجبلية وهنا تتحول المعلومة إلى تجربة حية ويتحول الطفل من متلقٍ إلى مستكشف صغير يلمس الصخور، ويطرح الأسئلة ويكتشف بنفسه كيف كانت هذه المنطقة الصحراوية جزءاً من بيئة بحرية قبل ملايين السنين؛ مما يبني بداخله ارتباطاً عميقاً بتاريخ وطنه الإمارات ومنطقته العربية ككل.
من الأمور الملفتة أيضاً تجربة الطيران الشراعي حيث تم اعتماد أول مركز في الإمارات للطيران الشراعي مع منح المشارك رخصة دولية لممارسة هذه الرياضة في إمارة الشارقة كذلك هناك مغامرات الدفع الرباعي والتخييم الفاخر المعتمد على الطاقة الشمسية في خيم تعتبر بمثابة نظام فندق خمس نجوم وجلسات مراقبة النجوم بإشراف مختصين، وتجمع هذه الأنشطة بين المغامرة والمعرفة بما يتناسب مع مختلف الأعمار واهتمامات أفراد العائلة، وهذه المنهجية للأمانة تعكس رؤية سياحية تتجاوز مفهوم الترفيه التقليدي والمعتاد لتقدم تجربة متكاملة تجمع بين السياحة البيئية والثقافية والأثرية والتعليمية مع الحرص على حماية الموارد الطبيعية وتقليل الأثر البيئي للمشروعات كما أن هناك جزيرة النور وهي جزيرة صناعية صممت لتكون بمثابة غابة استوائية في قلب مدينة الشارقة والتجول فيها يمنحك رحلة للتعرف على النباتات المتنوعة من بيئات مختلفة وخصائصها وأنواعها وكذلك اكتشاف بيت الفراشات الذي يعرفك بمراحل دورة حياة الفراشة ومعلومات شيقة عن عوالمها وأنواعها، وكلها تجارب سياحية تمزج بين الترفيه والمعرفة لذا لم يكن مستغرباً أن تتوج جهود منتزه مليحة الشارقة بحصوله على جائزة أفضل منتزه وطني في الشرق الأوسط لعام 2026.
ومن الجوانب اللافتة في تجربة شروق ككل إعادة إحياء المباني القديمة وتحويلها إلى وجهات ضيافة فندقية تحافظ على ذاكرة المكان وهويته بالذات الهوية الثقافية الإماراتية، ومن أبرزها نزل الفاية الذي أقيم في مبنى محطة بترول قديمة تعود إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حيث كانت تضم محطة وقود وعيادة ومتجراً قبل أن يعاد ترميم المبنى ويحول إلى فندق خمس نجوم وكذلك فندق البيت في قلب الشارقة الذي استلهم البيوت القديمة للمدينة ونزل نجد المقصار الذي أعاد الحياة إلى قرية تراثية في خورفكان إلى جانب نزل الرياحين وهي مشاريع تكشف عن جهود واضحة في توظيف التراث العمراني ضمن تجارب ضيافة معاصرة دون التفريط في أصالة المكان وخصوصيته التاريخية حيث لا تقتصر أهمية هذه المشاريع على استقطاب الزوار، بل تمتد إلى تعزيز ارتباط الإنسان بمنطقته ومنح الزائر خلفية ثقافية وتاريخية تجعله أكثر معرفة بالمكان واعتزازاً بإرثه ومن الجميل للغاية أن تتحول المباني القديمة من آثار للماضي إلى وجهات تحكي قصص الأجداد، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على أنماط الحياة والعمارة التي شكلت هوية الشارقة، ومن الواضح أن القائمين على هذه المشاريع بذلوا جهوداً كبيرة في ترميم المواقع وتطويرها مع الحفاظ على الإرث العمراني التاريخي للشارقة لتقديم تجربة سياحية مختلفة تفتح آفاق الزائر، وتجمع بين المحافظة على الهوية والابتكار في تقديم الخدمات السياحية.
لذا لابد هنا أن نشدد على أن تجربة مليحة محل فخر لنا بالتأكيد على مستوى منطقة الخليج العربي ومعلم من معالم تطور السياحة العائلية والداخلية إلى حدود تتجاوز السياحة الترفيهية المعتادة حيث تقدم نموذجاً يستحق التأمل فالسياحة الناجحة ليست فقط تمنح الزائر صوراً جميلة وذكريات ممتعة، بل ما يضيف إلى معرفته، ويوسع مدارك الأطفال والأجيال الناشئة، وتفتح لهم عوالم الاكتشاف وخوض المغامرات والتجارب المفيدة والغنية بالمعلومات القيمة بما يجعل من الرحلة السياحية تجربة إثراء للفكر وتعزز الانتماء الوطني والقومي والهوية، وتبقى آثارها في الذاكرة طويلاً.
إحساس عابر
شكر خاص للإعلامي محمد عمران آل علي والأستاذ عمر جاسم آل علي مدير مليحة والمشاريع الاستراتيجية في هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق» لما تم تقديمه من شرح وافٍ حول رؤية مليحة ومكوناتها وتجاربها وعلى تسليط الضوء على الجهود المبذولة لتطوير وجهة سياحية إماراتية خليجية تحمل قيماً ومبادئ تتجاوز حدود الترفيه والسياحة.