لم تنتقل سيارات الفورمولا 1 من البحرين إلى ماليزيا فقط، ولم ينتقل اسم جائزة البحرين الكبرى لطيران الخليج للفورمولا 1 من حلبة إلى أخرى؛ الذي انتقل إلى حلبة سيبانغ كان شيئاً أكبر بكثير، بل إنها استراتيجية حكيمة مباركة من لدن جلالة الملك المعظم، وإرادة قيادة، وكفاءة شعب، وإعلام يعرف كيف ينقل الإنجاز إلى العالم.
ومن هنا، بدأت مهمة مختلفة في انتقال التجربة البحرينية إلى سيبانغ بكل تفاصيلها. وفي وقت قصير، تحركت الكفاءات الوطنية والجهات المعنية والإعلام البحريني لصناعة المشهد من جديد، حتى بدا السباق في ماليزيا امتداداً للحضور البحريني لا بديلاً عنه. كانت تجربة عملية أثبتت أن التعامل مع الظروف الطارئة لا يقاس فقط بالقدرة على تجاوزها، وإنما بالقدرة على الحفاظ على هوية الحدث وقيمته ومكانته.
وهنا يبرز دور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي واكب هذا التحول، ودعم «فريق البحرين» الذي حمل مسؤولية تنفيذ هذا الحدث العالمي خارج أرض المملكة. وقد أكد سموه خلال وجوده في حلبة سيبانغ أن ما حققته الكوادر الوطنية يمثل صورة مشرّفة لما تزخر به البحرين من طاقات وكفاءات متميزة، مشدداً على أهمية مواصلة الاستثمار في الكوادر الوطنية وإتاحة الفرص أمامها لتطوير خبراتها وقدراتها.
وهذه النقطة تحديداً تستحق النظر لأن النجاح البحريني في ماليزيا لم يكن نجاحاً عابراً، بل كان نجاح فريق البحرين.
جميل أن نرى البحرين قد انتقلت بمارشالز بحرينيين، ومنظمين، وكفاءات فنية وإدارية، وجهات حكومية ومؤسسات وطنية، وحلبة البحرين الدولية، وشركات ومؤسسات شاركت في صناعة المشهد. الجميع عمل في اتجاه واحد، ليظهر السباق بالصورة التي تليق باسم البحرين.
وللوهلة الأولى عندما شاهدت باب البحرين خُيّل لي بأن هذا الصرح قد تم نقله، والداعي إلى الفخر والبهجة أن يتم إنشاء قرية بحرينية بكوادر بحرينية تعكس التراث البحريني بهويته المتميزة وفي أقل من عشرة أسابيع، فكل هذه الجهود لم تكن مجرد مساحة ترفيهية مصاحبة للسباق، وإنما نافذة لتعريف العالم بالهوية البحرينية، وبالمقومات السياحية والثقافية والتراثية للمملكة.
والأجمل في الأمر أن البحرين قالت للعالم بأنها تستضيف سباقاً في ماليزيا أمام العالم، يا له من مشهد رياضي أنيق؛ ففي قلب كوالالمبور، وبين عشرات الآلاف من الجماهير، ظهرت البحرين بهويتها، وكفاءاتها، وثقافتها، واسمها، وقدرتها على تنظيم حدث دولي بمعايير عالمية.
إن فريق الإعلام البحريني، الذي نقل وجسّد الحدث كما هو، قد صنع الصورة الوطنية كجزء من الحدث الناجح من خلال قيادة تضع الرؤية، وكفاءات تنفذ، وإعلام يوثق وينقل، ودولة تحضر باسمها وهويتها.
وهذه هي المعادلة التي صنعت النجاح.
لم يكن سباق البحرين مجرد حدث عابر أو عادي، لكن ما حدث كان العكس تماماً. فقد نجحت البحرين، بالتعاون مع ماليزيا، في الحفاظ على حضور الجائزة ضمن بطولة العالم، في اتفاق عكس في الوقت ذاته عمق العلاقات البحرينية الماليزية والثقة المتبادلة بين البلدين. وقد وصف صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء هذا التعاون بأنه امتداد للعلاقات الأخوية بين البلدين، مع التأكيد على التزام البحرين المستمر بالفورمولا 1.
وقد تجاوزت حدود الرياضة لتصل إلى منصة الدبلوماسية، والاقتصاد، والسياحة، والإعلام، والترويج للهوية الوطنية.
ماليزيا فتحت حلبة سيبانغ للبحرين، والبحرين حملت جائزتها إلى ماليزيا، وبينهما ظهرت صورة ناضجة لعلاقة تقوم على الثقة والتعاون. وليس مصادفة أن تتزامن زيارة صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء مع مباحثات أوسع حول تعزيز التعاون البحريني الماليزي في مجالات متعددة، بما يؤكد أن الحدث الرياضي كان جزءاً من مشهد أكبر في العلاقات بين البلدين.
ولذلك، فإن إثبات حضور الشخصية البحرينية، متمثلةً في فريق البحرين، لم يعد مجرد توصيف لجهات شاركت في تنظيم السباق؛ إنها تعبير عن فلسفة في العمل تقوم على تكامل الأدوار، وتوحيد الجهود، وتحويل التحدي إلى إنجاز. لأن النجاح لا يصنعه من يجلس على منصة التتويج وحده، بل يصنعه فريق كامل يعمل خلفه.
فاليوم، ستبقى صور سيارات الفورمولا 1 وهي تنطلق من حلبة سيبانغ، لكن خلف هذه الصور ستبقى صورة أخرى أكثر أهمية: صورة البحرين وهي تكتب فصلاً جديداً من حضورها العالمي، بفضل قيادة تؤمن بالكفاءة الوطنية، وكفاءات أثبتت قدرتها، وإعلام حمل الصورة إلى العالم.