رائد البصري إن للأمثال الشعبية قصصاً تعكس ثقافات الشعوب، فهي المرآة التي نرى من خلالها معتقدات الشعوب وأفكارهم وسلوكياتهم بل إن الكثير من الأمثال الشعبية تعبّر عن خصوصيات الثقافة لدى المجتمعات المختلفة، وبعضها أسهمت في تشكيل ذهنية واتجاهات بعض الشعوب ولعبت دوراً في تحديد الطابع العام لهم، الأمر الذي تسبّب في أن تغدو هذه الأمثال محوراً لاهتمام الباحثين والمتخصصين في دراسة الثقافة الشعبية، ومن بين الأمثال الشعبية الشائعة في منطقة الخليج مثل شائع يقول: «مو كل من طق طبلة قال أنا قبله». فما قصة هذا المثل؟مثل الكثير من الأمثلة الشعبية الشائعة في التراث الشعبي قد يعطي هذا المثل لأول وهلة أنه يتعلّق بالأهازيج ومناسبات الاحتفالات، لكن في الحقيقة أن معناه مختلف تماماً، فهو مثل شعبي من تراثنا في الخليج العربي، وهو مأخوذ من ثقافة أهل المنطقة وسلوكياتهم، يأتي انعكاساً لحسن أخلاقهم واهتمامهم بإدارة دفة الحوار بأدب ولباقة وتقديم الكبير والمفوّه والعالم والحكيم.ووفقاً للشائع فلو تساءلت عن المعنى الحقيقي لهذا المثل، فهو يضرب لمن يسابق ويتقدم على غيره في أخذ شيء يعتقد أنه أحق به من غيره على الرغم من أنه لا يستحقه وليس من اختصاصه.. كما يضرب المثل أيضاً ويستخدم في حالة الشخص الذي يعتقد أن مجرد مشاركته في الحديث مع مجموعة من الشخصيات في جلسة ما يعطيه الحق في أن يتقدّم عليهم، أو يتسلّم دفة الحوار من دون أن يطلب منه أحد ذلك. مثالاً عندما يكون موضوع الحديث طبِّيّا، ويتكلم عنه طبيب، يكون الكلام أقربَ للصواب مما لو تكلَّم عنه كاتبُ روايات.وعندما يكون في الاقتصاد فأحَقُّ الناس بمناقشته هم خبراء الاقتصاد. وعندما يكون في موضوع من الناحية الشرعية، فعلماء الشَّريعة هم أهل الاختصاص ببحثه ومناقشته.ومسألة احترام التخصُّص يفترض أنها بديهية، يَعرفها حتى أصحاب المِهَن، فتجد النجَّار - على سبيل المثال لا يتدخَّل في عمَل الحدَّاد؛ لأنه ليس مِن تخصصه.ومن يعرف عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة بالطبع سوف يفهم ماذا أن تتقدم بالحديث على من يسبقك، أو أن تقاطع بالحديث من يحاورك، أو أن تتجاوز بالكلام على من تحاوره فلأسس الكلام بين الناس أصول معروفة ومتبعة، وللحديث قواعد ينبغي مراعاتها فـلا ينبغي لأي شخص أن يعطي الحق لنفسه بالحديث أولاً على حساب من هم أحق منه معرفة وخبرة، فالنقاش مبني على قواعد هي التي يعطي كلا الطرفين فرصة التعبير والإبداع الحقيقي ويحترم الرأي الآخر، ويعرف حتمية الخلاف في الرأي بين البشر وآداب الخلاف وتقبله لمنع الفوضى لذلك تذكر «كل» من طق طبلة قال أنا قبله».