عند النظر إلى خريطة العالم، تبدو غرينلاند مذهلة الحجم، وكأنها تحتل مساحة قريبة من قارة أفريقيا بأكملها. هذا الانطباع البصري شائع لدى كثيرين، لكنه في الحقيقة مضلل. فغرينلاند ليست بتلك الضخامة، وما نراه يعود أساساً إلى موقعها الجغرافي وطريقة تمثيل كوكب ثلاثي الأبعاد على خريطة مسطحة ثنائية الأبعاد.
مشكلة تمثيل عالم ثلاثي الأبعاد
تحويل شكل الأرض الكروي إلى خريطة مسطحة يفرض دائماً تنازلات. فمهما بلغت دقة الخرائط، لا بد من ظهور تشوهات، سواء عبر تمدد بعض المناطق، أو انكماش أخرى، أو حتى اقتطاع أجزاء من الخريطة بالكامل. هذه التشوهات ليست أخطاء بقدر ما هي نتيجة حتمية لطبيعة الإسقاط المستخدم.
إسقاط ميركاتور: الأشهر والأكثر خداعاً
الخريطة الأكثر شيوعاً اليوم تعتمد على إسقاط ميركاتور، الذي قدمه رسام الخرائط الهولندي جيراردوس ميركاتور عام 1569. يعتمد هذا الإسقاط على تخيل الأرض داخل أسطوانة، ثم إسقاط النقاط الجغرافية على سطحها. ويتميز بتمثيل خطوط الطول والعرض كخطوط مستقيمة ومتساوية التباعد.
لماذا يفضله البحارة؟
يُعد إسقاط ميركاتور مثالياً للملاحة، لأنه يحافظ على الاتجاهات الثابتة، ما يسمح للسفن بالسير في خطوط مستقيمة دون الحاجة إلى تصحيحات متكررة لمسارها. لكن هذه الميزة تأتي على حساب دقة المساحات والأحجام، خصوصاً كلما ابتعدنا عن خط الاستواء.
غرينلاند مقابل أفريقيا: الفرق الحقيقي
بسبب هذا الإسقاط، تبدو المناطق القريبة من القطبين أكبر بكثير من حجمها الحقيقي. ولهذا تظهر غرينلاند بحجم يقارب أفريقيا، بينما هي في الواقع أصغر منها بنحو 14 مرة فقط. تبلغ مساحة غرينلاند نحو 2.16 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة ولاية تكساس الأمريكية، في حين تتجاوز مساحة أفريقيا 30 مليون كيلومتر مربع.
هل توجد خرائط أكثر دقة؟
هناك خرائط تُظهر الأحجام الحقيقية للدول بشكل أدق، لكنها غير عملية للاستخدام الملاحي. ويؤكد أستاذ الفيزياء الفلكية في جامعة برينستون، ريتشارد غوت، أن «الخريطة التي تتقن جانباً معيناً، غالباً ما تفشل في جوانب أخرى».
محاولات لتقليل التشوه
في عام 2007، طوّر غوت وزميله ديفيد غولدبرغ نظاماً لتقييم الخرائط بناءً على مقدار التشوه فيها، ووجدوا أن إسقاط «وينكل-تريبل» هو الأقل تشوهاً نسبياً، رغم احتوائه على قطع حدودي في المحيط الهادئ يجعل بعض المسافات تبدو أطول من حقيقتها.
خريطة مسطحة بوجهين
لاحقاً، ابتكر الفريق خريطة مسطحة ذات وجهين، تعرض نصفي الكرة الشرقي والغربي أو الشمالي والجنوبي دون أي قطع حدودي. وفي هذه الخريطة، يشكل خط الاستواء حافة طبيعية، ما يسمح باستمرارية القارات دون تشويه كبير.
أقرب إلى الكرة الأرضية
يرى غوت أن هذه الخريطة أقرب إلى شكل الكرة الأرضية من أي خريطة مسطحة أخرى، إذ تتيح قياس المسافات بدقة أعلى. ويشير إلى أن رؤية الخريطة كاملة لا تتطلب تدويرها كما في الكرة الأرضية، بل مجرد قلبها على الوجه الآخر.