وليد صبري

قالت استشارية طب الأسرة والمجتمع وعضو جمعية أصدقاء الصحة د. زهرة خليفة، إن معاناة الكثير من الناس تتكرر في الشتاء مع نزلات البرد، والإنفلونزا، والتهابات الجهاز التنفسي، والجيوب الأنفية.

ورغم أن هذه الأمراض غالباً ما تُصنَّف على أنها بسيطة أو موسمية، إلا أن تكرارها أو شدتها قد يعكس خللًا أعمق في توازن الجسم ووظائفه. هنا يبرز دور الطب الوقائي والطب الوظيفي كنهج حديث يركّز على منع المرض قبل حدوثه، بدل الاكتفاء بعلاج الأعراض بعد ظهورها.

وأشارت في تصريحات لـ«الوطن» إلى أنه من منظور الطب الوقائي، المرض لا يحدث فجأة، بل نتيجة تراكُم عوامل متعددة، منها: ضعف المناعة بسبب قلة النوم أو سوء التغذية، نقص فيتامين D نتيجة قلة التعرض للشمس، زيادة التوتر النفسي، قلة الحركة والجلوس لفترات طويلة في أماكن مغلقة وسهولة انتقال الفيروسات في الأجواء الباردة والمغلقة. أما الطب الوظيفي، فينظر إلى هذه العوامل اختلالات في وظائف الجسم، وليس مجرد أحداث عابرة، ويبحث عن السبب الجذري الذي جعل الجسم أقل قدرة على المقاومة.

وأضافت د. زهرة خليفة أن الطب الوقائي يركز على تعزيز الصحة العامة وتقليل عوامل الخطر، ومن أهم ركائزه في فصل الشتاء: تعزيز المناعة الطبيعية عبر نمط حياة صحي، التطعيمات الموسمية مثل لقاح الإنفلونزا، خاصة للفئات الأكثر عرضة للمضاعفات، التثقيف الصحي حول النظافة الشخصية، التهوية، وتجنب العدوى، إضافة إلى الكشف المبكر عن نقص الفيتامينات أو الأمراض المزمنة التي قد تزيد من شدة العدوى. فالطب الوقائي لا ينتظر المرض، بل يعمل على تقليل احتمالية حدوثه وتأثيره.

أما الطب الوظيفي يذهب خطوة أعمق، إذ ينظر إلى الجسم كنظام مترابط، حيث يؤثر الغذاء، المناعة، الجهاز الهضمي، الهرمونات، والحالة النفسية في بعضهم البعض. ومن هذا المنطلق، فإن الوقاية من أمراض الشتاء تبدأ من صحة الجهاز الهضمي، لأن جزءاً كبيراً من المناعة يعتمد على توازن البكتيريا النافعة في الأمعاء، مروراً بالتغذية الوظيفية: التركيز على أطعمة تدعم المناعة مثل الخضروات الورقية، الفواكه الغنية بمضادات الأكسدة، الدهون الصحية، والبروتينات الجيدة، وصولاً إلى تصحيح النقص الغذائي: مثل فيتامين D، الزنك، والمغنيسيوم. وتقليل الالتهاب المزمن الناتج عن التوتر، قلة النوم، أو العادات الغذائية غير الصحية.

وتابعت أن الطب الوظيفي، لا يفصل الوقاية عن نمط الحياة اليومي: فالنوم الجيد ضروري لتنظيم المناعة، النشاط البدني المعتدل يحفز الدورة الدموية، ويحسن وظائف الجهاز المناعي، إدارة التوتر، لأن الضغط النفسي المزمن يضعف مقاومة الجسم للأمراض وتجنب التدخين، لما له من تأثير مباشر على الجهاز التنفسي والمناعة.

كما يؤكد الطب الوقائي والوظيفي معاً على أهمية البيئة المحيطة: مثل غسل اليدين بانتظام. تهوية الأماكن المغلقة. تقليل التعرض للمصابين عند وجود أعراض. ارتداء الكمامة عند الحاجة، ليس خوفاً بل وعياً ومسؤولية.

وشددت أنه رغم أهمية الوقاية، إلا أن مراجعة الطبيب ضرورية عند استمرار الأعراض لأكثر من أسبوع، كارتفاع الحرارة الشديد أو المتكرر، صعوبة التنفس، وإصابة الأطفال الرضع، كبار السن، أو أصحاب الأمراض المزمنة.

والهدف هنا ليس تجنب العلاج، بل استخدامه في الوقت المناسب ضمن إطار صحي متكامل.

وخلصت إلى أن الوقاية من أمراض الشتاء لا تعني فقط تجنب البرد أو تناول أدوية عند الحاجة، بل تبدأ بفهم أعمق لصحة الجسم وتوازنه.

ومن خلال الجمع بين الطب الوقائي الذي يهدف إلى حماية المجتمع، والطب الوظيفي الذي يركّز على الفرد وأسباب المرض الجذرية، يمكننا أن نعيش فصل الشتاء بصحة أفضل، وعدد أقل من الانتكاسات المرضية، وجودة حياة أعلى. فالصحة ليست قراراً مؤقتاً في موسم معين، بل أسلوب حياة يبدأ بالوعي... ويستمر بالوقاية.