بقلم: الدانة العامر

يأتي شهر رمضان كل عام محمّلاً بالسكينة والروحانيات وإعادة تصحيح العادات اليومية، فهو موسم للعبادة والتقرب إلى الله، وفرصة لتعميق الوعي الذاتي وبناء عادات إيجابية تنعكس على الروح والجسد معاً.

وفي هذا الجو الإيماني، يجد الإنسان مساحة للتأمل والانضباط، واختيار ما يغذّي قلبه ويُصلح نمط حياته.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وفي هذا المعنى تتكامل العبادة مع العناية بالجسد، فالتقوى تمتد إلى تفاصيل حياتنا اليومية واختياراتنا الغذائية.

وفي هذا الإطار الروحي، يشكّل الصيام أيضاً فرصة صحية تساعد على تنقية الجسم من العادات الغذائية غير الصحية وإعادة ضبط الشهية وتنظيم عمل الجهاز الهضمي، بما يدعم التوازن والاعتدال في أسلوب الحياة.

كثيرون يعتقدون أن الصيام وحده كافٍ لتحقيق نتائج صحية، لكن الحقيقة أن طريقة الإفطار والسحور هي العامل الحاسم بين صيام يعود بالنفع وصيام قد يتحول إلى إرهاق واضطراب في الهضم وزيادة في الوزن.

يُنصح عند كسر الصيام باتباع سُنّة النبي ﷺ، إذ قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه طهور»،

البدء بـ1–3 تمرات مع ماء أو شوربة دافئة أو لبن يساعد على رفع مستوى السكر في الدم بشكل تدريجي، وترطيب الجسم، وتهيئة المعدة لاستقبال الطعام بهدوء.

ومن الهدي الصحي أيضاً ترك فاصل قصير لأداء صلاة المغرب قبل إكمال الوجبة؛ فهذا التوقف البسيط يمنح الجهاز الهضمي فرصة لبدء عملية الهضم، ويقلل من الإحساس بالامتلاء والانتفاخ الناتج عن تناول كميات كبيرة دفعة واحدة.

بعد الصلاة، تأتي الوجبة الرئيسية، ويمكن هنا تطبيق مفهوم «طبقي الصحي» (MyPlate):

- نصف الطبق من الخضروات المتنوعة.

- ربع الطبق من البروتين الصحي مثل الدجاج، السمك، أو البقول.

- ربع الطبق من الكربوهيدرات المعقدة مثل الأرز البني أو البرغل أو الخبز الأسمر.

ويُفضّل البدء بالخضروات أو السلطة أولًا، لأن الألياف تزيد الشعور بالشبع، وتدعم صحة الجهاز الهضمي وتنظيم مستويات السكر في الدم.

وفي السحور قال النبي ﷺ: «تسحّروا فإن في السحور بركة»، فهو وقود اليوم ومصدر للطاقة والترطيب عند اختياره بشكل متوازن.

ويكون السحور المتوازن باختيار مصدر بروتين، وكربوهيدرات معقدة، مع خضروات أو فواكه وأخذ كمية كافية من الماء، مع تجنب الأطعمة المالحة والسكريات العالية للحفاظ على طاقة ثابتة خلال الصيام.

ولا يكتمل الجانب الصحي دون الحركة، مثل المشي إلى المسجد أو تخصيص وقت قصير للمشي اليومي.

رمضان ليس شهر حرمان، بل شهر توازن وتجديد ووعي، ومع اختيارات بسيطة وواعية يمكن أن يكون بداية لنمط حياة صحي يستمر بعد انتهاء الشهر.

*أخصائية تغذية علاجية - مستشفى عوالي