كشف تقرير قضائي بريطاني عن ثغرات أمنية وتنظيمية خطيرة في قطاع رعاية الأطفال المنزلية.
جاء ذلك على خلفية مأساة وفاة رضيع يبلغ من العمر ثمانية أسابيع، عُثر عليه فاقداً للوعي في سريره بعدما أعطته مربيته جرعة من مضادات الهيستامين بهدف "تخديره" ومساعدته على النوم.
وتأتي هذه التحقيقات لتدق ناقوس الخطر حول غياب الرقابة على الأفراد الذين يمارسون مهنة "المربية" أو "ممرضة التوليد" دون مؤهلات طبية أو رقابة حكومية صارمة.
وتعود وقائع الحادثة إلى يناير من عام 2024، حين أُعلنت وفاة الرضيع في الساعات الأولى من الصباح بعد 45 دقيقة فقط من عثور المربية عليه في حالة عدم استجابة.
ورغم أن التقارير الأولية لشرطة ميتروبوليتان لم تشر إلى وجود علامات إهمال أو إصابات ظاهرة، إلا أن فحص السموم اللاحق كشف عن وجود مادة "كلورفينيرامين" (المعروفة تجارياً باسم "بيريتون") في دم الرضيع، وهي مادة تحذر هيئة الخدمات الصحية الوطنية بشدة من إعطائها للأطفال دون سن العام الواحد لما لها من آثار جانبية قد تصل إلى الوفاة.
وفي هذا السياق، وجهت البروفيسورة فيونا ويلكوكس، الطبيبة الشرعية المسؤولة عن القضية، انتقادات حادة للقصور الأمني الذي شاب التحقيقات الأولية، معتبرة أن الشرطة ضيعت "فرصاً جنائية" ثمينة كانت كفيلة بإدانة المربية.
وأوضح التقرير أن أفراد الشرطة انخدعوا بالمظهر المنظم للمنزل ولم يقوموا بالتحفظ على زجاجات الإرضاع أو البحث عن أدلة دوائية في حينها، كما لم يتم استجواب المربية أو تفتيش العقار إلا بعد مرور عشرة أشهر، مما أدى إلى تلاشي الأدلة المادية التي قد تثبت الجريمة وفق المعايير الجنائية.
ووفقاً لشهادة الخبراء أمام المحكمة، فإن المربية لجأت على الأرجح لاستخدام الدواء كـ "مخدر" للرضيع الذي وُصف بأنه كان كثير البكاء ومضطرب النوم، وهو تصرف غير قانوني وغير مسؤول طبياً.
وأكدت البروفيسورة ويلكوكس أن هذه المادة ارتبطت سابقاً بوفيات أطفال، ولا يجوز إعطاؤها في هذا العمر إلا تحت إشراف طبي دقيق لعلاج حالات الحساسية الشديدة، وليس بغرض التنويم القسري الذي قد يثبط الجهاز التنفسي للطفل.
وتجاوزت تداعيات هذه القضية الجانب الجنائي لتسلط الضوء على "أزمة نظامية" في تنظيم مهن الرعاية المنزلية، حيث أشارت جمعية المربيات الوطنية إلى وجود فجوة تنظيمية تسمح لأشخاص غير مؤهلين بحمل ألقاب مهنية توحي بالخبرة، بينما هم يفتقرون للحد الأدنى من التدريب الطبي.
والمثير للقلق أن المربية المتورطة في هذه القضية لا تزال تمارس عملها حتى الآن وتأتمنها عائلات أخرى على أطفالها، لعدم وجود سجل إلزامي يمنع ممارسي المهنة من العمل في حال وجود شبهات جنائية أو إهمال جسيم.
وتختتم هذه المأساة بصرخة تحذيرية للمجتمع والسلطات، حيث طالبت الطبيبة الشرعية بتحديث بروتوكولات تدريب الشرطة عند التعامل مع وفيات الرضع المفاجئة، وضرورة فرض تشريعات تلزم المربيات بالحصول على تصاريح أمنية وطبية رسمية، فغياب الرقابة، كما يؤكد التقرير، يحول الثقة التي يمنحها الآباء لهؤلاء الأفراد إلى "مقامرة" بحياة الأطفال، مما يجعل إصلاح هذا القطاع ضرورة قصوى لمنع تكرار مثل هذه الحوادث المفجعة التي تسرق أرواحاً بريئة قبل أن تبدأ رحلتها في الحياة.