كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن السعي وراء الأهداف الكبرى في العمل والصحة والعلاقات الاجتماعية قد يتحول أحيانًا إلى مصدر للإحباط، خصوصًا حين يتعامل الإنسان مع حياته كقائمة إنجازات ثابتة، لا كمسار متغير يحتاج إلى ملاحظة وتجربة وتعديل.

وقالت الصحيفة في مقال للباحثة في علم الأعصاب، آن-لور لو كونف، إن ملايين الأشخاص يكتبون أهدافهم مع بداية كل عام، لكن كثيرًا من هذه الأهداف يُهجر بحلول شهر مارس، لتتكرر الدائرة مع كل موسم جديد: بداية جديدة، أهداف جديدة، ثم شعور جديد بالفشل.

وترى الكاتبة أن الأهداف تنجح عندما تكون الوجهة واضحة والطريق محددًا، لكنها لا تصلح دائمًا مع الأسئلة الكبرى في الحياة، مثل اختيار المسار المهني المناسب، أو بناء علاقة صحية، أو معرفة ما تعنيه الصحة الجيدة لكل شخص.

وبدلًا من سؤال: هل وصلت؟، تقترح الكاتبة تبنّي ما تسميه "العقلية التجريبية"، أي أن يسأل الإنسان نفسه: ماذا يمكن أن أتعلم؟. فهذه الطريقة، بحسب المقال، تساعد على اختبار مسارات صغيرة، ومراقبة النتائج، وتغيير الاتجاه عندما تكشف التجربة أن خيارًا آخر قد يكون أفضل.

وتوضح الصحيفة أن التجربة الصغيرة يمكن اختصارها في صيغة بسيطة: سأفعل كذا لمدة كذا. فالإنسان لا يحتاج إلى تغيير حياته دفعة واحدة، بل إلى خطوة محدودة المدة تكشف له ما يناسبه فعلًا.

وفي المجال المهني، تضرب الكاتبة أمثلة مثل تخصيص 30 دقيقة يوميًا لقراءة نشرات متخصصة، أو حجز يوم واحد أسبوعيًا للعمل الإبداعي العميق لمدة شهر، أو إجراء ثلاثة لقاءات قهوة مع أشخاص يعملون في مجالات تثير الفضول خلال فصل واحد.

وتؤكد "الغارديان" أن الفكرة لا تقتصر على العمل، بل تمتد إلى العلاقات، فالعلاقات القريبة قد تتحول مع الوقت إلى أنماط جامدة: من يتصل بمن، وما نوع الحديث، وكيف يُقضى الوقت المشترك.

ومن هنا يمكن اختبار تغيير بسيط، مثل استبدال مكالمة أسبوعية بنشاط مشترك لمدة 6 أسابيع، أو التواصل مع شخص قديم مرة كل أسبوع لمدة شهر. وتشير الكاتبة إلى أن العقلية نفسها تصلح للعلاقات العاطفية، إذ يمكن للباحث عن شريك أن يتعامل مع ذلك كتجربة لا كاختبار نجاح أو فشل.

وبدل أن يسأل الإنسان نفسه: هل هذا هو الشخص المناسب؟، يمكنه أن يسأل: ماذا تعلمت عن نفسي؟ وما الذي أبحث عنه فعلًا؟

وتضيف الباحثة في مقالها أن بعض التجارب قد تكون مشتركة؛ فالأهل يمكنهم اختبار استبدال وقت الشاشة قبل النوم بالقراءة مع الأطفال لمدة أسبوعين، أو السماح للمراهق بطهي العشاء مرة كل شهر، كما يمكن للأزواج تجربة أفكار جديدة للقاءات، أو للأصدقاء الاتفاق على خوض تجربة جديدة في الوقت ذاته.

وفي ملف الصحة، يقول مقال "الغارديان" إن هذا المجال هو الأكثر امتلاءً بأهداف جاهزة تصلح للجميع ظاهريًا، مثل المشي 10 آلاف خطوة يوميًا، أو شرب 8 أكواب من الماء، أو خسارة وزن معين قبل الصيف.

لكن المشكلة، بحسب الكاتبة، أن ما يناسب جسد شخص وجدوله وضغوطه لا يناسب بالضرورة شخصًا آخر.

وتقترح التعامل مع الصحة باعتبارها مساحة للتجربة الشخصية، لا وصفة عامة. فبدل اتباع خطة جاهزة، يمكن للإنسان أن يختبر ممارسة الرياضة صباحًا بدل المساء لمدة أسبوعين، أو النوم في وقت ثابت كل ليلة لمدة 10 أيام، أو الامتناع عن الطعام المعالج لمدة شهر.

وتخلص الكاتبة مقالها بقولها إن التغيير الحقيقي لا يبدأ دائمًا بهدف ضخم، بل بتجارب صغيرة تمنح الإنسان بيانات حقيقية عن نفسه.

ومع مرور الوقت، تتراكم هذه التجارب لتصنع تعريفًا شخصيًا للعمل المناسب، والعلاقة الصحية، والحياة المتوازنة.