لم يعد الخطر القادم من السماء يقتصر على النيازك أو الكويكبات، فمع التسارع غير المسبوق في سباق استكشاف الفضاء وإطلاق آلاف الأقمار الصناعية، باتت الأرض تواجه تهديداً جديداً يتمثل في الحطام الفضائي الذي يعود بصورة غير متحكم فيها.
فبينما تحترق معظم الأجسام عند اختراقها الغلاف الجوي، تنجو كتل معدنية ضخمة من الاحتراق الكامل لتسقط على منازل ومزارع وطرق ومواقف سيارات، في مشهد يتكرر بوتيرة متزايدة، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.
وضربت الصحيفة مثلاً على ذلك، فبإحدى أمسيات ديسمبر، انشقت السماء فجأة، واندفعت كتلة معدنية ملتهبة، يزيد عرضها على حافلة مدرسية، بسرعة هائلة نحو الأرض، وكان صوت ارتطامها أعلى من دوي الرعد، عندما سقطت في رقعة زراعية قرب قرية تقع على بعد نحو 3 ساعات من العاصمة الكينية نيروبي.
حينها، قال أحد سكان المنطقة يدعى جون موكونوو: "اعتقد الناس أن نهاية العالم قد حانت". وعندما وصل أهالي القرية إلى الموقع، وجدوا حلقة معدنية عملاقة، يزيد ارتفاعها على طول رجل، ويزيد وزنها على وزن حصان، وقد انغرست في الأرض، وظلوا يراقبونها وهي تبرد تدريجياً، من كتلة متوهجة إلى معدن رمادي باهت، ثم تناوبوا على حراستها، والتقاط صور "سيلفي" معها، إلى أن وصلت فرق من المسؤولين القادمين من العاصمة.
فيما بعد اتضح أن الحلقة كانت جزءاً يربط بين مكونات أحد الصواريخ، وكان من المفترض أن تحترق بالكامل عند عودتها إلى الغلاف الجوي للأرض.
إلى ذلك، اعتبرت "نيويورك تايمز"، أن الحطام الفضائي يتساقط على الأرض اليوم بمعدلات غير مسبوقة، في أحد الآثار الجانبية لسباق محموم تخوضه الحكومات والشركات، مثل سبيس إكس، للهيمنة على الفضاء، فخلال العام الماضي وحده، أصدرت قوة الفضاء الأميركية التابعة للجيش، تحذيرات بشأن دخول نحو 820 جسماً إلى الغلاف الجوي للأرض، مقارنة ب110 أجسام فقط قبل عشر سنوات.
ورغم أن معظم هذه الأجسام يحترق في الغلاف الجوي أو يسقط في المحيط الهادئ، فإن بعضها يواصل هبوطه إلى سطح الأرض بشكل غير متحكم فيه ولا يمكن التنبؤ بمكان سقوطه.
وبالتالي كلما ازداد عدد الأجسام التي يطلقها البشر إلى المدار، ازداد أيضاً حجم الحطام الذي قد يعود إلى الأرض، فقد شهد العام الماضي إطلاق أكثر من 300 صاروخ، أي ما يقرب من أربعة أضعاف العدد المسجل قبل عقد، ما يعني أن المزيد من المراحل الصاروخية والمكونات المستهلكة ستعود للسقوط.
كما تمثل الأقمار الصناعية المنتهية الصلاحية مصدراً رئيسياً آخر لهذا الحطام الفضائي، فمن بين نحو 16 ألف قمر صناعي يدور حالياً حول الأرض، سيعود عدد كبير منها في نهاية المطاف إلى الغلاف الجوي.
كذلك قال ماريوس سلونينا، المسؤول عن عمليات الوعي بالمجال الفضائي في وكالة الفضاء البولندية، إن "عمليات إعادة الدخول إلى الغلاف الجوي تحدث كل يوم"، مضيفاً أن "أجساماً ضخمة تزن طناً مترياً أو أكثر تعود إلى الأرض بمعدل يقارب مرة واحدة كل أسبوع".
في عام 2024، سقطت معدات مستهلكة من محطة الفضاء الدولية فوق منزل في ولاية فلوريدا الأميركية، وفي أوائل العام الماضي، هبط جزء من صاروخ تابع لشركة سبيس إكس بالقرب من مركز تجاري مزدحم في مدينة بوزنان البولندية، فيما عُثر على قطعة أخرى قرب مطار المدينة، وفقاً لوكالة الفضاء البولندية.
وبعد أشهر، هبط قمر صناعي صيني متوقف عن العمل فوق جزيرة تينيريفي، إحدى جزر الكناري الإسبانية. وكان القمر، الذي يزن نحو ثلاثة أطنان مترية، قد أحدث موجات صدمية في المنطقة قبل أن يتفتت ويحترق في الجو.
وفي أكتوبر، عثر عمال مناجم على حطام مشتعل فوق طريق صحراوي في غرب أستراليا، كما جرفت الأمواج مؤخراً كرات معدنية عملاقة، عُرفت باسم "كرات الفضاء"، إلى أحد الشواطئ الأسترالية.
كما خلصت دراسة أعدت لصالح إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية إلى أنه بحلول عام 2035، قد يتسبب الحطام الناتج عن أقمار سبيس إكس وحدها في مقتل أو إصابة شخص مرة كل عامين.