توصل باحثون إلى أن أخطار علاج الاكتئاب الشديد أثناء الحمل باستخدام مضادات الاكتئاب من فئة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، المعروفة اختصاراً باسم SSRI، قليلة أو معدومة بالنسبة للأم والطفل.
جاءت النتائج في مراجعة علمية موسعة، نشرت في دورية JAMA Psychiatry، وحلل فيها الباحثون الأدلة المتوافرة بشأن تأثير كل من اضطراب الاكتئاب الشديد، واستخدام أدوية SSRI أثناء الحمل على الأم والجنين والطفل.
وأكد الباحثون أن المراجعة ليست تجربة سريرية جديدة، وإنما مقالة علمية خاصة تجمع وتفسر نتائج عدد كبير من الدراسات السابقة؛ بهدف مساعدة الأطباء والحوامل على الموازنة بصورة أكثر دقة بين أخطار العلاج، وخطر ترك الاكتئاب دون علاج.
تعد مضادات الاكتئاب، خياراً أولياً لعلاج الاكتئاب خلال بداياته، لكن هناك مخاطر ينبغي وضعها في الاعتبار عند تناول مضادات الاكتئاب أثناء الحمل.
يستخدم هذا النوع من مضادات الاكتئاب لدى ما بين 5 و6% من الحوامل في الولايات المتحدة، غالباً لعلاج اضطراب الاكتئاب الشديد، الذي يصيب نحو 12% من الحوامل، وفق المراجعة.
وقال الباحثون إن المشكلة الأساسية، في تقييم سلامة الأدوية خلال الحمل، تكمن في صعوبة فصل التأثير المحتمل للدواء عن آثار المرض الذي يستدعي العلاج في الأساس.
تشير الأدلة التي استعرضها الباحثون إلى أن الاكتئاب أثناء الحمل ليس مجرد مشكلة نفسية، وإنما مرض يمكن أن يؤثر في وظائف الجسم، ومسار الحمل، وتطور الجنين.
وارتبط الاكتئاب الشديد لدى الحوامل، بصورة مستقلة عن استخدام مضادات الاكتئاب، بزيادة احتمالات الولادة المبكرة بنحو 46%، وانخفاض وزن المولود بنحو 90%، إلى جانب ارتفاع معدلات الولادة القيصرية، وفرط القيء الحملي.
كما ارتبطت أعراض الاكتئاب بزيادة خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، ومقدمات الارتعاج، وقال الباحثون إن أعراضاً مثل الإرهاق، وضعف التركيز، وفقدان الدافع، يمكن أن تجعل من الصعب على الحامل الالتزام بالرعاية الطبية، ومتابعة المضاعفات، والاستعداد للولادة والعناية بالمولود بعد الوضع.
وتشير دراسات أخرى إلى أن تعرض الجنين للتوتر والاكتئاب لدى الأم قد يرتبط بتغيرات في نمو الدماغ، وتنظيم المشاعر، والنوم، والقدرات الإدراكية لدى الأطفال.
كشفت دراسة علمية وجود صلة بين إصابة الأمهات بفقر الدم خلال المراحل المبكرة من الحمل وزيادة خطر إصابة أطفالهن بعيوب خلقية في القلب.
كان أحد أبرز المخاوف المرتبطة باستخدام أدوية SSRI أثناء الحمل هو احتمال زيادة خطر العيوب الخلقية في القلب.
وأفادت المراجعة بأن دراسات نشرت خلال العقد الأول من القرن الجاري، أبلغت عن زيادة تراوحت بين ضعفين وثلاثة أضعاف، في بعض عيوب القلب لدى الأطفال الذين تعرضوا لهذه الأدوية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، خصوصاً دواء باروكسيتين.
لكن الباحثين أوضحوا أن دراسات أكبر وأكثر تطوراً، ظهرت لاحقاً، وجدت أن جزءاً كبيراً من تلك الزيادة يرجع على الأرجح إلى الاكتئاب نفسه، والعوامل المصاحبة له، وليس إلى الدواء.
وبعد الأخذ في الاعتبار شدة المرض، والعوامل الصحية، والاجتماعية، والخصائص الديموغرافية، اختفت في بعض التحليلات العلاقة بين استخدام SSRI وتشوهات القلب.
وقال الباحثون إن النمط نفسه ظهر في دراسات تناولت احتمال ارتباط هذه الأدوية باضطراب طيف التوحد؛ ففي الدراسات التي لم تضبط تأثير العوامل الوراثية والأسرية وشدة الاكتئاب، بدا الارتباط أقوى، لكنه تقلص بصورة كبيرة، أو اختفى عند مقارنة الأطفال بأشقائهم غير المعرضين للدواء، أو عند مقارنة النساء اللاتي استمررن في العلاج بمن أوقفنه.
قد تسبب مضادات الاكتئاب آثاراً جانبية مزعجة. يمكن لأعراض مثل الغثيان أو زيادة الوزن أو مشكلات النوم أن تكون شائعة مبدئياً.
وخلص الباحثون إلى أن الأدلة المتوافرة لا تدعم وجود علاقة سببية قوية بين التعرض لأدوية SSRI داخل الرحم وبين التشوهات الخلقية، أو اضطرابات النمو العصبي، مع التأكيد أن الدراسات الرصدية لا يمكنها استبعاد جميع الأخطار الصغيرة بصورة كاملة.
ولا تعني النتائج أن استخدام مضادات الاكتئاب أثناء الحمل يخلو تماماً من الآثار الجانبية؛ إذ أشارت بعض الدراسات إلى زيادة صغيرة في خطر ارتفاع ضغط الدم الرئوي المستمر لدى حديثي الولادة، وهي حالة نادرة تؤثر في قدرة الرئتين على التكيف بعد الولادة.
ويمكن أن تظهر لدى بعض الأطفال المولودين لأمهات استخدمن أدوية SSRI أثناء الحمل، علامات تعرف باسم متلازمة ضعف التكيف الوليدي، وتشمل الأعراض الارتجاف، والتهيج، ومشكلات التنفس، وتسارع ضربات القلب، وصعوبات التغذية.
وتظهر هذه الأعراض في نحو 30% من الأطفال المعرضين للأدوية قبل الولادة في بعض الدراسات، لكنها تكون في الغالب مؤقتة، وتختفي خلال أسبوعين مع الرعاية الداعمة، ولا ترتبط عادة بآثار نمائية خطيرة طويلة الأمد، ويرتفع احتمال ظهور هذه المتلازمة عندما تستخدم الأم مضادات SSRI إلى جانب أدوية البنزوديازيبين المهدئة.
وحذرت المراجعة من أن إيقاف مضادات الاكتئاب تلقائياً عند حدوث الحمل قد يؤدي إلى انتكاس المرض لدى بعض النساء.
ووجدت إحدى الدراسات أن النساء المشاركات في برنامج متخصص للطب النفسي أثناء الحمل، واللاتي أوقفن العلاج، تعرضن للانتكاس بمعدل أعلى بنحو 5 أضعاف مقارنة بمن واصلن تناول الدواء، كما أظهر تحليل تجميعي سابق أن خطر عودة الاكتئاب كان أعلى بوضوح لدى النساء المصابات باكتئاب شديد، أو متكرر ممن توقفن عن العلاج مقارنة بمن استمررن عليه.
لكن الباحثين شددوا على أن القرار ليس واحداً لجميع الحوامل، إذ يعتمد على شدة المرض، وعدد النوبات السابقة، والاستجابة للعلاج، وتفضيلات المريضة، ومدى توافر العلاج النفسي، والبدائل غير الدوائية.
التأمل نوع من علاجات العقل والجسم، وكان يُمارَس منذ آلاف السنين، إذ يدخل الإنسان في عملية تركيز مقصودة، ما يقلل الأفكار العشوائية المتعلقة بالماضي أو المستقبل.
قال الباحثون إن النقاش الطبي ينبغي ألا يقتصر على سؤال "هل الدواء آمن؟" بل يجب أن يقارن بين أخطار استخدام الدواء، وخطر بقاء المرض دون علاج.
وأشاروا إلى أن ترك الاكتئاب الشديد دون علاج يمكن أن يؤدي إلى مشكلات صحية ووظيفية واجتماعية كبيرة للأم، إلى جانب التأثير المحتمل في الجنين والطفل.
وتشمل خيارات الاستجابة إلى جانب الأدوية، العلاج النفسي، خاصة العلاج السلوكي المعرفي والعلاج بين الأشخاص، إضافة إلى وسائل مثل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة، والعلاج بالصدمات الكهربائية في حالات محددة.
لكن الباحثين قالوا إن أدوية SSRI تظل من خيارات الخط الأول في علاج الاكتئاب خلال فترة ما حول الولادة، وقد تكون أحياناً العلاج العملي الوحيد المتاح في المناطق التي تعاني نقص خدمات الصحة النفسية.
ودعا الباحثون إلى توسيع الوصول إلى خدمات الطب النفسي، ورعاية الأم والطفل، واستخدام أدوات منظمة لاتخاذ القرار، تساعد الطبيب والمريضة على مقارنة المخاطر والفوائد بصورة فردية، مؤكدين أن الهدف النهائي للعلاج خلال الحمل يجب أن يكون الوصول إلى هدوء أعراض الاكتئاب، ومنع الانتكاس، وليس مجرد تقليل التعرض للدواء.