صدر حديثاً عن منشورات الحسيني الجزء الأول من كتاب «الفقه المعاصر – أبحاث فقهية استدلالية في العبادات»، من تأليف الأمين العام للمجلس الإسلامي العربي العلَّامة السيد محمد علي الحسيني، في عمل فقهي يسعى إلى تقديم الأحكام الشرعية ضمن رؤية تجمع بين التأصيل والاستدلال من جهة، وفهم متغيرات العصر واحتياجات الإنسان المعاصر من جهة أخرى.
ويأتي الكتاب استجابةً لما يشهده العالم من تطور متسارع وتحولات عميقة في أنماط الحياة والتواصل والمجتمع، وما تفرضه هذه المتغيرات من حاجة إلى خطاب فقهي قادر على الوصول إلى جيل اليوم بلغة واضحة وميسرة، من دون إخلال بالأصول الشرعية أو بالأدلة التي تقوم عليها الأحكام.
وينطلق الحسيني في منهج الكتاب من ضرورة الجمع بين الفقه الاصطلاحي الشرعي وفقه الوعي والفهم؛ بحيث لا تقتصر معالجة المسائل على بيان الحكم، وإنما تمتد إلى شرحه وتوضيح أبعاده ودليله وتقديمه ضمن سياقه الواقعي، بما يجعل المعرفة الفقهية أكثر قربًا من القارئ وأكثر قابلية للفهم والتطبيق.
ويؤكد الكتاب مركزية مبدأ التيسير ورفع الحرج في الخطاب الفقهي، مستندًا إلى جملة من النصوص القرآنية والنبوية، وفي مقدمتها قوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»، وقوله تعالى: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»، إلى جانب الأحاديث النبوية الداعية إلى السماحة والاعتدال والتحذير من الغلو والتشدد.
ويضم الجزء الأول مجموعة من الأبحاث الفقهية الاستدلالية في فقه العبادات، وهي امتداد لسلسلة من الأبحاث التي سبق نشرها في صحيفة مكة المكرمة ضمن موضوعات «فقه العبادات وفقه المعاملات وفقه الحياة»، قبل جمعها وتطويرها وتقديمها ضمن مشروع «الفقه المعاصر».
ويتميز المشروع، بحسب منهجيته، بمحاولة بناء صلة مباشرة بين النص الشرعي والواقع المعاصر، وتقديم المادة الفقهية بأسلوب سلس بعيد عن التعقيد، بما يتيح للقارئ غير المتخصص الاستفادة منها، مع المحافظة على البعد الاستدلالي الذي يمنح البحث عمقه العلمي والفقهي.
ويرى الحسيني أن الحاجة إلى الفقه المعاصر لا تعني تغيير الأحكام لتتلاءم مع العصر، وإنما تعني حسن فهم النصوص والأحكام، وفهم الواقع الذي تُنزَّل عليه، ثم إيصال الحكم الشرعي إلى الناس بالأسلوب الذي يحقق مقصده بوضوح ووعي وتوازن.
ويشكل كتاب «الفقه المعاصر» بداية مشروع فقهي يسعى إلى إعادة تقديم المعرفة الشرعية في قالب يجمع بين الأصالة والمعاصرة، والدليل والوعي، والحكم والفهم، والثبات في الأصول والمرونة في أسلوب العرض والتبيين، بما يسهم في تقريب الفقه إلى الإنسان المعاصر والإجابة عن أسئلته بعيداً عن التعقيد والغلو.
ويختتم العلامة السيد محمد علي الحسيني تقديمه للكتاب بالأمل في أن يكون هذا العمل نافعاً للقارئ ومرجعاً ميسّراً يجد فيه الأجوبة الشافية لأسئلته، وأن يكون «دليلاً ومصباحاً لتنوير العقول وطمأنة القلوب».
ويصدر الكتاب عن منشورات الحسيني، ضمن سلسلة المؤلفات والأبحاث الفكرية والفقهية للسيد محمد علي الحسيني.