حمدي عبدالعزيز

أكد خبراء ومختصون، أن المحتوى لم يعد مجرد رسالة عابرة في عالمٍ لا يتوقف عن التصفح، بل تحوّل لصناعة بحيث تبدو الشاشة كأنها نافذة مفتوحة على فرص اقتصادية وتجارية وربحية كبيرة، ونوهوا بأن منصة Market Insights research تقدر قيمة السوق العالمي لاقتصاد المحتوى في عام 2026 بما يتراوح بين 250 - 314 مليار دولار أمريكي مع معدل نمو سنوي يقارب 22–23%، مع توقعات أن تبلغ قيمة هذا السوق تريليون و346 مليار دولار بحلول 2033.

وتقدر منصة Influencer Marketing Hub ومنصة StackInfluence عدد صناع المحتوى بـ207 ملايين شخص حول العالم، يعمل منهم 47% بدوام كامل، ويحقق 20 مليوناً من هؤلاء دخلاً سنوياً يتجاوز 100 ألف دولار، فيما يتجاوز 6 ملايين منهم عتبة الـ 500 ألف دولار سنوياً، بما يعزز تحويل صناع المحتوى من أفراد «مؤثرين» إلى شركات صغيرة، ومتوسطة SME.

وأشاروا إلى أن صانع المحتوى قد تحول من هاوٍ إلى فاعل اقتصادي مؤثر. ومع استمرار الزخم الرقمي، فإن الدول والمؤسسات مطالبة بمواكبة هذا التغير عبر دعم الإبداع، وتأمين الفضاء الرقمي، وخلق بيئة تنظيمية عادلة، وهو ما تتجه إليه البحرين في الوقت الراهن، بتوفير أطر متكاملة في المجالات الاقتصادية والإعلامية والرقمية والتشريعية.

الشبراوي: سوق عالمي متنام لاقتصاد المحتوى

الخبير الدولي في ريادة الأعمال ورئيس بنك الأسرة سابقاً د. عاطف الشبراوي، ذكر أن المنصات وتطبيق التكنولوجيا، تُمكن الأفراد «مبدعين، كتاب، مصممي فيديو، موسيقيين، وخبراء» من تحقيق أرباح مادية مباشرة من مهاراتهم، ومعارفهم، أو مواهبهم من خلال إنشاء محتوى رقمي ونشره عبر منصات الإنترنت المختلفة، حيث تحول الكثير من المؤثرين إلى مؤسسي شركات ناشئة ناجحة.

وكشف أن المؤثر الذي يعلم أن خوارزميات المنصات متقلبة. لذلك، يتوقف عن الاعتماد على عوائد المشاهدات أو الرعايات، ويتجه إلى إطلاق منتجات خاصة أو تقديم خدمات استشارية أو تدريبية، ويعمل على تحويل اسم المؤثر من مجرد «اسم مستخدم» إلى «علامة تجارية» لها قيمة قانونية وسوقية، ثم بناء فريق عمل ومنظومة: فيتحول من مؤثر إلى «رئيس تنفيذي» CEO.

وأضاف د. الشبراوي أن الشركات التقليدية تجد نفسها أمام تحدي النجاح في المنصات، ولذلك تتحول إلى عقلية «صانع المحتوى»: في حملاتها الترويجية وعلامتها التجارية وثقافتها نفسها، من خلال تقديم القيمة، وليس البيع «شركة أدوات منزلية لا تبيع «السكين»، بل تصنع فيديوهات لتعليم مهارات الطبخ السريع»، وبناء علاقات شراكة طويلة الأمد مع مؤثرين؛ مما يبني ثقة حقيقية وعميقة مع الجمهور، واستغلال المحتوى الذي يصنعه «العملاء»، وإبراز اللمسة الإنسانية في العلامة التجارية.

ويخلص للقول إن اللعبة لم تعد متعلقة بـ«من يملك المنتج الأفضل»، بل «من يملك العلاقة الأقوى والأكثر ثقة والأقرب مع الجمهور.

الطاهر: من اقتصاد المشاهدات» لـ«اقتصاد القيمة»

الأستاذ المساعد بكلية الاتصال وتقنيات الإعلام بالجامعة الخليجية د. عبدالله الطاهر، أكد أن اقتصاد صناعة المحتوى يشكل الآن سوقاً عالمية تُمكّن الأفراد من تحقيق أرباح، مما أسهم في انتقال التأثير من المؤسسات الإعلامية التقليدية إلى صناع المحتوى المستقلين عبر منصات تتيح الربح المباشر وبناء المجتمعات الرقمية.

وفي عام 2026 شهد هذا الاقتصاد تحولاً من مجرد صناعة المحتوى إلى بناء الأعمال الرقمية، حيث لم يعد النجاح مرتبطاً بعدد المتابعين فقط، بل بقدرة صانع المحتوى على بناء مجتمع رقمي وتحويله إلى مصدر دخل مستدام من خلال الاشتراكات والمنتجات الرقمية والشراكات التجارية.

كما أصبح الذكاء الاصطناعي أداة أساسية في إنتاج المحتوى، مما زاد المنافسة، في حين ارتفعت قيمة المحتوى الأصيل القائم على الخبرة والمصداقية والثقة.

ونوه بأن بعض المؤثرين أصحاب المتابعين الأقل قد يحققون عوائد أعلى من مشاهير يملكون ملايين المتابعين، لأن النجاح يعتمد على التخصص، وتنويع مصادر الدخل، وبناء علامة شخصية واضحة، والاستمرارية، وتقديم قيمة حقيقية للجمهور، في المقابل، يرتبط الفشل غالباً بالاعتماد على المشاهدات المؤقتة، أو ملاحقة الترندات دون هوية واضحة، أو الاعتماد على منصة أو مصدر دخل واحد.

وأضاف د. الطاهر، أن الاتجاه السائد بالسوق في 2026 يُظهر تزايد قيمة المحتوى المتخصص والموثوق القادر على بناء علاقة مستدامة مع الجمهور، بينما يواجه كثير ممن يعتمدون على الجدل أو الاستعراض صعوبة في الحفاظ على نجاحهم، لذلك قد تحقق التفاهة انتشاراً سريعاً، لكن المعرفة والثقة والتخصص تظل عوامل النجاح والاستدامة، في ظل التحول من «اقتصاد المشاهدات» إلى «اقتصاد الثقة والقيمة».

التاجر: خفض التكلفة وصناعة التميز والوصول للجمهور

يشهد العام 2026 تحولاً بنيوياً بالانتقال من حقبة «اقتصاد المنصات»، القائم على التطبيقات والمواقع إلى «اقتصاد الوكلاء»، الذي يعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي كفاعلين اقتصاديين مستقلين، ما يحوّل التكنولوجيا من أداة وسيطة إلى شريك تنفيذي يدير العمليات نيابة عن المستخدم. وفي هذا الإطار، لخص الرئيس التنفيذي لشركة INFINITEWARE، أمين التاجر، دور الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى في 3 محاور:

أولاً، خفض التكلفة: ما كان يتطلب فريقاً من مصممين ومحررين ومسوّقين بات في متناول فرد واحد عبر أدوات ذكية تنتج النص والصورة والفيديو والصوت في دقائق وبكلفة زهيدة، فينكسر حاجز رأس المال الذي طالما أبعد الكثيرين عن البداية.

ثانياً، صناعة التميز: الذكاء الاصطناعي يتولى المهام المتكررة، فيتفرغ صانع المحتوى لما يصنع الفارق فعلاً: الفكرة والصوت الأصيل والقصة. الأداة لا تبدع بدلاً عنك، لكنها ترفع سقف ما تنجزه بمفردك.

ثالثاً، الوصول للجمهور: تحليل البيانات والتوصيات الذكية تساعد على فهم الجمهور واختيار التوقيت وتكييف الرسالة لكل منصة، فيصل المحتوى إلى الشريحة الصحيحة لا إلى الأكثر عدداً فقط. وخلص إلى أن الذكاء الاصطناعي يخفض كلفة الدخول، ويوسّع سقف الإبداع، لكنه يبقى أداة في يد صاحب الرؤية.

البحار: إطار تشريعي بحريني متكامل

أشار المحامي د. علي البحار، إلى أن التشريعات البحرينية تنظم اقتصاد المحتوى من خلال إطار قانوني متكامل يوازن بين تشجيع الابتكار الرقمي، وتحقيق المصلحة الاقتصادية، وحماية النظام العام بما يدعم أهداف التنمية الشاملة.

وقال: «تسهم القوانين المنظمة للتجارة الإلكترونية، وحماية البيانات الشخصية، وحقوق الملكية الفكرية، في توفير بيئة قانونية آمنة وجاذبة للاستثمار في الصناعات الإبداعية والمحتوى الرقمي، الأمر الذي يعزز تنويع مصادر الدخل الوطني، ويرفع مستوى التنافسية الاقتصادية، ويسهم في خلق فرص عمل جديدة».

وعلى صعيد النظام العام، أكد د. البحار أن التشريعات الوطنية تفرض ضوابط قانونية على المحتوى الذي يمس الأمن الوطني أو الآداب العامة أو الوحدة المجتمعية، أو يتضمن التحريض على الكراهية أو العنف أو استغلال الأطفال، بما يضمن الاستخدام المسؤول للمنصات الرقمية.

كما تجرّم الأفعال الإلكترونية الضارة، مثل نشر الشائعات والمعلومات المضللة والاعتداء على الخصوصية والحقوق الرقمية للأفراد، حفاظًا على الاستقرار الاجتماعي والثقة العامة، بما ينعكس إيجاباً على نمو الاقتصاد الرقمي واستدامته.

ومن الجوانب القانونية المهمة كذلك تحقيق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية، وضمان المنافسة العادلة والشفافية في المنصات الرقمية، ومواكبة التطورات التقنية المتسارعة، بما يكفل استدامة اقتصاد المحتوى وتعظيم مساهمته في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مملكة البحرين وفق أطر قانونية واضحة، دون الإخلال بمقتضيات النظام العام والقيم الأساسية للمجتمع.

«اقتصاد المحتوى».. سوق عالمي بـ250 مليار دولار حالياً و1.3 تريليون بحلول 2033
play icon