لطالما شكلت معرفة ما كانت الديناصورات تأكله وكيف كانت تهضم غذاءها لغزاً للعلماء، إذ تتحلل الأعضاء الداخلية بعد الموت ولا تترك وراءها الكثير من الأدلة. لذلك كانت الأسنان من أبرز المؤشرات؛ فالأسنان الحادة والمدببة توحي بأن الحيوان كان يمزق قطع اللحم ويبتلعها، بينما تشير الأسطح القوية المخصصة للطحن إلى الاعتماد على المضغ.
لكن بعض الديناصورات، خصوصاً وحشيات الأرجل، فقدت أسنانها تماماً وطورت مناقير، ما جعل تحديد طريقة تغذيتها وهضمها أكثر صعوبة.
أحجار داخل المعدة تقدم دليلاً جديداً
هناك دليل آخر تركته الديناصورات وراءها، وهو الأحجار المعروفة باسم حصوات المعدة، التي كانت توجد داخل الجهاز الهضمي لبعضها ويُعتقد أنها ساعدت في تفتيت الطعام وهضمه.
واللافت أن الطيور الحديثة والتماسيح، وهما من أقارب الديناصورات ضمن مجموعة أكبر تُعرف باسم الأركوصورات، تحتوي معدتها أيضاً على هذه الحصوات.
ودفع ذلك ريوجي تاكاساكي، الباحث في جامعة أوكاياما للعلوم في اليابان، إلى دراسة هذه الأحجار لمعرفة ما يمكن أن تكشفه عن تطور عملية الهضم لدى الديناصورات.
مقارنة بين الديناصورات والطيور والتماسيح
في دراسة نشرت في مجلة Paleobiology، فحص تاكاساكي وزملاؤه حصوات المعدة لدى 46 نوعاً من الأركوصورات الحديثة، بينها 42 نوعاً من الطيور وأربعة أنواع من التماسيح، وقارنوها بحصوات عُثر عليها لدى 16 نوعاً من الديناصورات.
وشملت الطيور المدروسة أنواعاً آكلة للنبات واللحوم وأخرى آكلة لكل شيء، بينما كانت التماسيح جميعها آكلة للحوم.
وكشفت الدراسة أن شكل الحصوات يختلف بحسب قوة المعدة. فالطيور ذات المعدة شديدة العضلات، مثل البط والإوز، كانت حصواتها تميل إلى أن تصبح مستديرة وملساء تشبه حصى الشواطئ، نتيجة احتكاكها المستمر داخل المعدة. أما الحيوانات ذات المعدة الأضعف، مثل الطيور البحرية والتماسيح، فكانت تحتوي على حصوات أكثر حدة وزوايا.
الديناصورات العاشبة اعتمدت على فكوكها
عند دراسة الديناصورات، وجد الباحثون أن الديناصورات ذات الورك الطيري، ومن بينها تريسيراتوبس، كانت تمتلك حصوات زاوية، رغم أن أسنانها تشير إلى أنها كانت آكلة للنبات.
ويرى الباحثون أن ذلك يعني أن هذه الحيوانات اعتمدت بشكل أساسي على فكوكها في طحن الطعام، بينما كانت المعدة تقوم بالمرحلة النهائية من عملية الهضم.
أما الديناصورات طويلة الرقبة، مثل ديبلودوكس، فامتلكت أيضاً حصوات زاوية، وهو أمر أكثر إثارة للحيرة، نظراً إلى أن أسنانها التي تشبه الأقلام كانت تستخدم على الأرجح لنزع الأوراق من أغصان الأشجار.
ويعتقد تاكاساكي أن التفسير قد يكمن في اعتماد هذه الديناصورات على التخمر داخل المعدة لتفكيك الطعام، على غرار ما يحدث لدى بعض الحيوانات العاشبة الحديثة.
فقدان الأسنان غيّر طريقة الهضم
أما وحشيات الأرجل فقدمت دليلاً أكثر إثارة. فـتاربوصوروس، وهو مفترس شديد الشراسة يشبه التيرانوصور، كان يمتلك أسناناً حادة ومدببة وحصوات زاوية، ما يشير إلى أن الفك كان يؤدي الجزء الأكبر من مهمة معالجة الطعام.
لكن الثيروبودات التي طورت مناقير بدلاً من الأسنان كانت تمتلك حصوات أكثر استدارة.
ووجد تاكاساكي علاقة واضحة بين فقدان الأسنان وزيادة استدارة الحصوات، ما يشير إلى أن مهمة طحن الطعام انتقلت تدريجياً من الفك إلى المعدة.
هل ساعد ذلك الديناصورات على الطيران؟
يرى الباحثون أن هذا التحول ربما ساهم في النجاح التطوري للطيور.
فالأسنان ثقيلة، وكذلك عضلات الفك الكبيرة اللازمة لتحريكها، ما يضيف وزناً كبيراً إلى مقدمة الجسم. وعندما انتقلت مهمة طحن الطعام إلى المعدة، انتقلت معها العضلات والأسطح الصلبة اللازمة لهذه العملية إلى منطقة أقرب إلى مركز الجسم.
وقد ساعد ذلك على جعل مركز ثقل الحيوان أكثر تمركزاً، وهو أمر يمكن أن يسهل عليه الارتفاع عن الأرض والطيران.
ومن المثير للاهتمام أن السجل الأحفوري يظهر أن أقدم الطيور على الإطلاق لم تكن تمتلك مناقير. لكن حقيقة أن العديد من أقاربها من الثيروبودات طورت المناقير، وأن الطيور نفسها طورتها مرتين على الأقل، تشير إلى أن هذا التحول ربما كان سهلاً نسبياً من الناحية التطورية.
وبذلك، قد يكون أحد أسرار انتقال بعض الديناصورات إلى السماء مرتبطاً بشيء يبدو بسيطاً للغاية: المعدة.