كشفت أبحاث حديثة أن الاعتماد المتزايد على لقطات الشاشة «سكرين شوت» قد يأتي بنتيجة عكسية عندما يتعلق الأمر بتذكر المحتوى، إذ أظهرت تجارب علمية أن التقاط صورة للشاشة قد يضعف قدرة الإنسان على تذكر ما شاهده لاحقاً، من دون أن يوفر في المقابل أي فوائد ذهنية تعوض هذا التراجع.
ووفقاً لدراسة نشرتها دورية Memory & Cognition ونقلها موقع PsyPost، فإن مجرد حفظ المحتوى عبر لقطة شاشة يمكن أن يقلل من مستوى الانتباه للتجربة نفسها، ما يؤثر في الطريقة التي تُرسّخ بها المعلومات داخل الذاكرة.
وتأتي هذه النتائج في سياق أبحاث متواصلة لعلماء النفس حول تأثير استخدام الأجهزة الرقمية في الذاكرة والانتباه. وكانت دراسة أجريت عام 2014 قد توصلت إلى أن الأشخاص الذين يلتقطون صوراً للمعروضات في المتاحف يتذكرون تفاصيل أقل مقارنة بمن يكتفون بمشاهدتها، في ظاهرة عُرفت لاحقاً باسم «تأثير ضعف الذاكرة الناتج عن التصوير».
وترى الباحثة في علم النفس المعرفي صوفيا فابريزيو، إلى جانب أستاذ علم النفس والعلوم المعرفية والدماغية ديان ويسترمان من جامعة بينغهامتون، أن المفارقة تكمن في أن الإنسان يلجأ عادة إلى التصوير بهدف الاحتفاظ بالأحداث والمعلومات في ذاكرته، بينما تشير الأدلة العلمية إلى أن عملية التوثيق نفسها قد تتداخل مع هذا الهدف.
ومع تطور السلوك الرقمي، اتجهت الأبحاث في عام 2025 إلى دراسة تأثير لقطات الشاشة، وليس التصوير التقليدي فقط، على الذاكرة.
وكان الباحثون يفترضون في البداية أن التقاط «سكرين شوت» قد يكون أقل تأثيراً على الذاكرة من التقاط صورة بالكاميرا، نظراً إلى أن لقطة الشاشة لا تتطلب توجيه الهاتف أو ضبط الإطار أو تحويل الانتباه عن المشهد.
إلا أن النتائج جاءت مخالفة لهذه التوقعات، إذ أظهرت أن التأثير السلبي على الذاكرة كان أكبر عند التقاط لقطات الشاشة مقارنة بالتصوير الفوتوغرافي التقليدي.
ويرتبط تفسير هذه الظاهرة بمفهوم نفسي يعرف باسم «التفريغ المعرفي»، ويشير إلى اعتماد الإنسان على الأدوات الخارجية، ومنها الأجهزة الرقمية، لتخزين المعلومات بدلاً من الاحتفاظ بها ذهنياً.
وكانت دراسة أجريت عام 2019 قد أظهرت أن تخزين المعلومات في ملفات رقمية يمكن أن يخفف العبء عن الدماغ، إذ يدرك الشخص أن المعلومة أصبحت محفوظة في مكان آخر ويمكن الرجوع إليها لاحقاً، وبالتالي يقل الجهد الذي يبذله لتثبيتها في ذاكرته.
وانطلاقاً من هذه الفكرة، سعى الباحثون إلى معرفة ما إذا كانت لقطات الشاشة تؤدي الوظيفة نفسها بصورة تلقائية؛ أي أن الإنسان، بمجرد حفظ المحتوى على هاتفه، قد يشعر بأن المعلومة أصبحت مؤمّنة ويمكن الرجوع إليها متى شاء، فيتراجع الجهد الذهني المبذول لتذكرها.
ولاختبار هذه الفرضية، أجرى الباحثون سبع تجارب منفصلة بمشاركة طلاب جامعيين، بهدف قياس تأثير التقاط لقطات الشاشة على الذاكرة والأداء الذهني.
وأظهرت النتائج أن انخفاض القدرة على التذكر لم يصاحبه أي تحسن إضافي في الأداء المعرفي يمكن أن يعوض هذا التراجع.
كما وجد الباحثون أن تأثير لقطات الشاشة على الذاكرة يمكن أن يحدث بصورة تلقائية وغير واعية، حتى لدى الأشخاص الذين اعتادوا استخدام هذه الخاصية بشكل يومي.
ويرى الباحثون أن الأمر قد يكون أكثر وضوحاً في ظل الكم الهائل من لقطات الشاشة التي يخزنها المستخدمون في هواتفهم، إذ إن كثيراً منها ينتهي به الأمر من دون مراجعة أو استخدام، لتصبح مجرد محتوى محفوظ في الجهاز بدلاً من أن تكون وسيلة فعلية لاسترجاع المعلومات.
وبحسب الباحثين، إذا كانت المعلومة أو التجربة مهمة ويرغب الشخص في الاحتفاظ بها في ذاكرته، فقد يكون من الأفضل في بعض الحالات وضع الهاتف جانباً ومنح التجربة كامل الانتباه، بدلاً من الانشغال بتوثيقها لحظة وقوعها.
ولا يعني ذلك أن الأدوات الرقمية عديمة الفائدة، إذ يمكن لميزة حفظ المعلومات إلكترونياً أن تكون فعالة في التذكير بالمواعيد والمهام والمعلومات التي يمكن الرجوع إليها لاحقاً.
لكن عندما يتعلق الأمر بتكوين الذكريات، تشير هذه النتائج إلى أن توثيق كل لحظة عبر الهاتف قد لا يساعد بالضرورة على تذكرها، بل قد يجعل الإنسان أقل انتباهاً للتجربة نفسها، وبالتالي أقل قدرة على استعادتها لاحقاً.