وليد عبدالله

يُشكّل العطاء التدريبي للكوادر الوطنية الشابة أحد أهم الركائز التي تعتمد عليها الكرة البحرينية في رسم ملامح مستقبلها التكتيكي والتنافسي. ومن بين الأسماء التي فرضت نفسها بقوة على الساحة التدريبية مؤخراً، برز اسم المدرب الوطني الشاب محمد عدنان أيوب، الذي خاض تجربة احترافية خارج الحدود في واحد من الدوريات العربية القوية وأكثرها تنافسية، وهو دوري الدرجة الأولى السعودي (دوري يلو)، قائداً لنادي «الأنوار»، حيث استطاع ترك بصمة فنية واضحة والعودة بخبرات تكتيكية عريضة.

ولأن النجاح والتطور دائماً ما يفتحان أبواب التحديات الكبرى، فقد جاءت عودة الكابتن محمد عدنان إلى الديار من أوسع الأبواب، وعلى رأس الهرم الكروي المحلي، بانضمامه إلى الجهاز الفني لنادي المحرق (شيخ الأندية الخليجية) وحامل لقب دوري ناصر بن حمد الممتاز، ليعمل جنباً إلى جنب مع القامة التدريبية الوطنية الكابتن عيسى السعدون.

«الوطن الرياضي» التقت بالمدرب محمد عدنان أيوب في هذا الحوار الشامل، ليتحدث عن تفاصيل محطته السعودية، والفوارق التكتيكية واللوجستية بين المنافسات، إضافة إلى رؤيته المستقبلية وطموحاته الكبيرة مع الكتيبة الحمراء في الموسم الكروي الجديد.. وإلى نص الحوار:

خضت تجربة تدريبية مهمة واستثنائية مع نادي الأنوار السعودي في منافسات «دوري يلو» المعروف بقوته، وأنهيتم الموسم في المركز الثاني عشر. كيف تقيّم هذه التجربة بشكل عام؟ وما أبرز الأهداف الفنية والنتائج التي ترى أنك نجحت في تحقيقها مع الفريق؟

- بادئ ذي بدء، أود أن أؤكد أن التجربة التدريبية في الدوري السعودي كانت مفيدة جداً وغنية بالدروس الفنية والتكتيكية من كافة الجوانب. نحن نتحدث عن دوري يضم جودة عالية جداً من الأسماء، سواء من اللاعبين المحترفين الأجانب أو المحليين، إلى جانب السرعة الفائقة في رتم اللعب، والمستوى الاحترافي المتقدم الذي يُدار به كل تفصيل داخل الملعب وخارجه. هذه العوامل تجعل العمل في مثل هذه البيئة إضافة فنية هائلة لأي مدرب يسعى إلى تطوير أدواته والتعامل مع ضغوط المباريات عالية الشدة.

أما على صعيد النتائج والأهداف التي تم رسمها منذ البداية، فبفضل من الله وتوفيقه، استطعنا أن نحقق الهدف الرئيس لنادي الأنوار في دوري «يلو»، وهو ضمان البقاء وتفادي الهبوط، بالابتعاد عن مناطق الخطر، وإنهاء الموسم في المركز الثاني عشر، وسط منافسة محتدمة بين أندية تمتلك إمكانات مادية ولوجستية ضخمة جداً.

ولم يتوقف الإنجاز عند حدود البقاء فقط، بل نجحنا في حجز بطاقة التأهل الرسمية للمشاركة في بطولة كأس خادم الحرمين الشريفين للموسم القادم، وهو ما يُعد إنجازاً تاريخياً ومالياً وفنياً يُحسب لإدارة النادي والجهاز الفني واللاعبين. وخلال هذه المسيرة، حققنا نتائج ممتازة وبعض الانتصارات العريضة التي برهنت على شخصية الفريق القوية داخل الملعب، مثل الفوز العريض على نادي الوحدة بنتيجة (5-1)، والفوز على نادي الدرعية بنتيجة (4-2)، بالإضافة إلى التعادل الإيجابي بنتيجة (1-1) أمام نادي أبها (بطل الدوري وصاحب المركز الأول)، والتعادل بالنتيجة نفسها (1-1) أمام نادي العلا المدجج بالنجوم. هذه النتائج لم تكن وليدة المصادفة، بل كانت ثمرة منظومة عمل متكاملة وانضباط تكتيكي عالٍ.

العمل في دوري الدرجة الأولى السعودي يتطلب نفساً طويلاً وتعاملاً يومياً مع الضغوط المستمرة. ما أبرز التحديات والعقبات التي واجهتك كمدرب بحريني يخوض هذه التجربة، وكيف استطعت التعامل معها لتأمين وضع الفريق؟

- لا شك أن أي تجربة جديدة في بيئة كروية مختلفة تحمل معها قدراً كبيراً من التحديات والصعوبات. وكان التحدي الأول والأكبر بالنسبة لي يتلخص في «فهم واستيعاب بيئة الدوري السعودي» بسرعة قياسية؛ فلكل دوري هويته الخاصة وأسلوب لعبه وطبيعته التنافسية. دوري «يلو» يمتاز بالاندفاع البدني العالي، والتحولات السريعة جداً من الدفاع إلى الهجوم، والضغط العالي طوال تسعين دقيقة.

لكن بفضل الله عز وجل، ومن ثم العمل الجاد والمكثف مع طاقمي الفني المساعد، تمكّنا من قراءة الوضع العام للدوري بشكل دقيق، وعلى ضوء ذلك قمت بوضع الأسلوب الفني والفلسفة التدريبية اللذين يتناسبان مع قدرات لاعبينا ويحدّان من خطورة المنافسين. حرصت على أن تتسم فلسفتي بالنزعة الهجومية الجريئة، وعدم التراجع إلى الخلف، مع إعطاء اللاعبين مساحة أكبر من الحرية والابتكار داخل الثلث الأخير من الملعب. هذه الفلسفة جاءت بثمارها، وشاهدنا نتائجها الإيجابية تتجسد واقعاً على أرض الملعب من خلال الأهداف المسجلة والفرص المصنوعة.

كما لا يفوتني الإشادة باللاعبين الذين عملت معهم؛ فقد حظيت بمجموعة تمتاز بالقوة الذهنية العالية والشغف الهجومي الكبير، ووجدت فريقاً يخدم أفكاري التكتيكية ويتشربها بسرعة. هذا التلاحم والتجاوب بين الجهاز الفني واللاعبين كانا من أهم الأسباب والمفاتيح للعبور بالفريق إلى بر الأمان وتحقيق تلك النتائج المتميزة.

من واقع المعايشة الميدانية والتجربة المباشرة.. كيف تقيّم الفوارق الجوهرية بين دوري يلو السعودي والدوري البحريني الممتاز، سواء من الناحية الفنية والبدنية، أو من جانب البنية التحتية والمنظومة الإدارية واللوجستية؟

- بكل إحقاق للحق وإنصاف، شهد الدوري البحريني في الفترة الأخيرة تطوراً ملحوظاً واهتماماً متزايداً على مستوى الدعم والترتيبات الإدارية، وهذا الأمر انعكس بشكل مباشر وإيجابي على أداء منتخبنا الوطني، وعلى «كواليتي» ونوعية اللاعب البحريني. والحديث هنا ليس مجرد شعارات، بل مدعّماً بالأدلة؛ حيث شاهدنا في السنوات الأخيرة احتراف اللاعب البحريني خارجياً وتقديمه إضافات فنية كبيرة للفرق التي لعب لها، ناهيك عن التطور الكبير في مستوى المدربين الوطنيين، وسعي العديد من الأندية الخليجية للتعاقد معهم في السابق وحالياً.

ولكن، إذا ما أردنا الحديث بكل صراحة وشفافية عن الفوارق الشاملة، فهناك تباين وفوارق كبيرة وشاسعة بين المنظومتين. الدوري السعودي يتفوق بوضوح في جانب البنية التحتية المتطورة، من ملاعب وملاعب تدريب مجهزة، والتنظيم اللوجستي والإعلامي الاحترافي الذي يحيط بالمنافسات. أما من الناحية الفنية والبدنية داخل الملعب، فإن الدوري السعودي يتسم بسرعة أداء عالية جداً، واللياقة البدنية للاعبين تصل إلى معدلات مرتفعة تتطلب تحضيراً خاصاً، إلى جانب توافر لاعبين أجانب على أعلى مستوى، يزيدون من رتم المنافسة وقوتها.

الخروج للتدريب خارج حدود الوطن خطوة جريئة ومغامرة لأي مدرب. كيف ساهمت هذه المحطة السعودية في صقل طموحك التدريبي، وتغيير نظرتك الفنية إلى إدارة المباريات الصعبة وغرفة الملابس؟

- عندما توجد في بيئة كروية تكون فيها جودة اللاعبين أعلى من المستوى المحلي الاعتيادي، فإن المستوى التكتيكي والخططي يرتفع تلقائياً وبشكل مباشر. في السعودية، استفدت بشكل لا يُصدق من مواجهة مدارس تدريبية عالمية ومدربين أصحاب خبرات وتاريخ عريض في عالم التدريب، على غرار المدرب بيسيرو والمدرب ألفرد شرودر وغيرهما من الأسماء الثقيلة.

هذه المواجهات المباشرة فرضت عليّ التعمق في تحليل المنافسين، وقراءة أفكار جديدة في الجوانب الهجومية والدفاعية، والتعامل مع سيناريوهات تكتيكية مختلفة ومعقدة أثناء مجريات المباريات. فضلاً عن ذلك، كانت هذه التجربة مدرسة حقيقية في إدارة «غرفة الملابس» والتعامل الاحترافي مع لاعبين محترفين أجانب ومحليين بمستويات عالية وتفكير احترافي؛ حيث يتطلب الأمر توازناً بين فرض الانضباط والاحتواء النفسي وبناء ثقة متينة مع عناصر الفريق، وهو ما أضاف الكثير إلى شخصيتي كمدرب.

نصل هنا إلى المحور الأهم في هذه المرحلة.. ماذا يعني لك العودة من جديد إلى الدوري البحريني، وهذه المرة عبر بوابة المحرق بطل دوري ناصر بن حمد الممتاز لموسمين متتاليين؟ وما أهدافكم وطموحاتكم مع الفريق هذا الموسم؟

- العودة إلى الدوري البحريني الممتاز من بوابة نادي المحرق العريق هي بحد ذاتها شرف كبير، ومسؤولية تاريخية مضاعفة أضعها على عاتقي. نحن لا نتحدث عن أي نادٍ، بل نتحدث عن «شيخ الأندية الخليجية»، قلعة البطولات والأمجاد، والنادي الذي يعيش دائماً تحت مجهر الضغط الجماهيري والإعلامي، ولا يرضى بغير منصات التتويج بديلاً.

أن تكون جزءاً من الجهاز الفني لفريق بحجم المحرق، وهو القادم من التتويج بلقب دوري «ناصر بن حمد» الممتاز لعامين متتاليين، يعني أن الأهداف محددة ومحسومة مسبقاً، ولا تقبل أي تهاون. المحرق يدخل أي مسابقة تخوضها أقدام لاعبيه بشعار واضح وصريح، وهو: «المركز الأول فقط، ولا شيء غيره».

طموحاتنا مع الفريق هذا الموسم لا تتوقف عند حدود الحفاظ على اللقب المحلي للعام الثالث على التوالي وكتابة تاريخ جديد، بل تمتد إلى المنافسة بكل قوة وضراوة على جميع البطولات المحلية، من كأس جلالة الملك المعظم وكأس السوبر وكأس خالد بن حمد، بالإضافة إلى تقديم أفضل تمثيل يليق بالكرة البحرينية في الاستحقاقات والمشاركات الخارجية القادمة. نحن نعلم تماماً حجم التطلعات، ونسعى إلى العمل وفقها لتحقيق الأهداف التي تلبي طموحات إدارة النادي وشغف الجماهير المحرقاوية الاستثنائية، التي تُعد اللاعب رقم واحد والمحرك الأساسي للفريق.

كيف تصف علاقتك بالمدرب الوطني القدير الكابتن عيسى السعدون، الذي يقود الجهاز الفني لنادي المحرق في الموسم الجديد؟ وكيف ترون توزيع الأدوار بينكما لخدمة الفريق؟

- العلاقة مع المدرب القدير الكابتن عيسى السعدون هي علاقة نموذجية قائمة على التقدير المتبادل والاحترام التام والانسجام الفني والفكري المطلق. الكابتن عيسى السعدون يُعتبر قامة تدريبية وطنية مهمة في تاريخ الكرة البحرينية، وهو مدرب يمتلك شخصية قيادية فذة، وخبرة عريضة جداً في التعامل مع المنافسات الكبرى، وكيفية إدارة مباريات الحسم تحت ضغوط الجماهير والإعلام.

وجودي بجانبه كمدرب مساعد في هذا الموسم هو مكسب شخصي وفني كبير بالنسبة لي، وسيتيح لنا تبادل الخبرات والأفكار التكتيكية بشكل سلس ومثمر. نحن نعمل بروح المنظومة الواحدة والجهاز المكتمل؛ حيث تتكامل أدوارنا بين القراءة الفنية، والتحضير البدني والتكتيكي للمباريات، ومتابعة التفاصيل الدقيقة للاعبين. هدفنا المشترك والأسمى هو مساعدة بعضنا بعضاً لوضع كل إمكاناتنا وخبراتنا الفنية في خدمة النادي، وإعداد الفريق بصفة مثالية تجعل المحرق حاضراً بقوته الضاربة في كل مباراة، لتقديم كرة قدم ممتعة ومتوازنة تليق باسم هذا الكيان الكبير.

ختاماً.. ما السقف الأعلى لتطلعاتك وطموحاتك الشخصية كمدرب بحريني شاب في عالم التدريب؟ وما الرسالة التي توجهها من واقع تجربتك إلى المدرب الوطني الذي يسعى إلى إثبات ذاته خارج الحدود؟

- بكل تواضع، وبكل ثقة في الوقت نفسه، أقولها بوضوح: «لا يوجد سقف للطموح بالنسبة لي». أنا رجل أعشق التحدي، وأمتلك ثقة مطلقة، بفضل الله، في إمكاناتي وجودة عملي وقدرتي على التطور المستمر. والتجربة الناجحة التي خضتها في الدوري السعودي بكل شراسته أمدتني بجرعة مضاعفة من الثقة، وأثبتت لي أن العمل الجاد والتخطيط العلمي السليم قادران على صناعة الفارق وتجاوز أي عقبات.

أما رسالتي التي أوجهها بكل حب وتقدير إلى جميع زملائي المدربين البحرينيين الشباب الذين يسعون إلى إثبات أنفسهم وترك بصمة خارج الحدود، فهي أن يتسلحوا بالجرأة، وألا يترددوا لحظة واحدة في الخروج من «منطقة الراحة» (Comfort Zone) واقتحام التجارب الخارجية.

المدرب البحريني يمتلك العقلية الفنية والشغف والكفاءة والمرونة التكتيكية التي تؤهله للتألق والنجاح في أي بيئة كروية، متى ما وُفرت له البيئة المناسبة والثقة. أتمنى التوفيق للجميع، ودائماً وأبداً هدفنا رفع علم مملكة البحرين عالياً في كل المحافل التدريبية والكروية.