بسترته الخضراء الطويلة وفكه المربع وخطابه الاستفزازي، تحول غريغوري بوفينو إلى أحد أكثر الوجوه إثارة للجدل في الولايات المتحدة.

القائد الميداني المنتقل لشرطة الهجرة والجمارك الأمريكية صعد نجمه مع تشديد سياسات دونالد ترامب ضد الهجرة، لكنه بات اليوم عبئا سياسيا وإعلاميا بعد تورطه في عمليات دامية، خصوصا في مينيابوليس، حيث أعادت أساليبه العنيفة وتصريحاته الصاخبة فتح نقاش واسع حول حدود القوة، ودور الأمن، وكلفة التطرف قبيل الانتخابات النصفية.

وأشرف بوفينو على اعتقال الأجانب غير الشرعيين، والعمليات الرئيسة التي أمرت بها الإدارة الأمريكية في عدة مدن بالبلاد، من لوس أنجلوس، إلى شارلوت، مرورا بشيكاغو باستخدام أساليب تقول وسائل إعلام إنها "أكثر من عنيفة".

بحسب مجلة "لكسبريس" الفرنسية، قاد غريغوري بوفينو في الأيام الأخيرة عمليات وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية في مينيابوليس بولاية مينيسوتا، في ظل حملة قاسية ضد المهاجرين والمحتجين بالمدينة، لكن بعد مقتل أمريكيين اثنين خلال أيام قليلة على يد عناصر تحت إمرته، بدأت صورته تتلقى هزة قوية في واشنطن وسط تصاعد الانتقادات.

ورغم أن الرئيس الأمريكي، ظل حتى الفترة الأخيرة يدافع بقوة عن عمليات إنفاذ الهجرة الفيدرالية، إلا أنه اتخذ منذ نهاية الأسبوع المنصرم نبرة أكثر تهدئة في مواجهة تلك الانتقادات، في مسعى لاحتواء أزمة أثارت رفضاً واسعاً حتى داخل معسكره، وذلك قبل أشهر قليلة من الانتخابات النصفية للكونغرس.

وتوقعت تقارير لوكالة "رويترز" ومجلة "ذا أتلانتيك"، أن يعاد بوفينو إلى منصبه السابق كرئيس دورية في إل سنترو بولاية كاليفورنيا، لمراقبة الحدود المكسيكية، بعد أن خفض دوره القيادي في مينيابوليس.

ومع ذلك، نفت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية في الوقت الحالي أي تخفيض لرتبته أو إعفائه من مهامه.

دور محوري في عنف مينيابوليس

لكن المؤكد حتى الآن أن الحضور الإعلامي المكثف لغريغوري بوفينو في سياق أعمال العنف التي ارتكبتها وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في مينيابوليس لم يكن أمرًا هامشيًا. فبدل تبني خطاب تهدئة، واصل المسؤول الأمني صب الزيت على النار، مبررًا دون تحفظ حوادث إطلاق النار التي أودت بحياة رينيه غود في مطلع يناير، وأليكس بريتي السبت الماضي.

في الحالة الأولى، قال إنه "يرفع قبعته" لمطلق النار، مشيرًا إلى "بيئة صعبة". أما في الحالة الثانية، فاتهم الممرض البالغ من العمر 37 عامًا، الذي قُتل خلال مظاهرة نهاية الأسبوع، بأنه كان يعتزم "ذبح قوات إنفاذ القانون".

وقال بوفينو خلال برنامج بثته شبكة "سي إن إن": "حقيقة أن الشرطة مدربة تدريبًا عاليًا منعت أي إطلاق نار محدد ضد قوات إنفاذ القانون، لذا تهانينا لقوات إنفاذ القانون لدينا على تحييده قبل أن يتمكن من التصرف".

مفتون بشرطة الحدود

غريغوري بوفينو، الذي يوصف بأنه متطرف معلن، لم يترك خلال مسيرته المهنية انطباعات إيجابية لدى من تعاملوا معه.

ففي تقرير مطول، أعادت صحيفة "شيكاغو صن تايمز" التوقف عند مسار هذا الرجل المفتون بشرطة الحدود منذ الطفولة.

وقد أثارت مشاهدة فيلم "The Border"، الذي جسد فيه جاك نيكلسون وهارفي كيتل دور عملاء حدود، إعجابه وغضبه في آن واحد، إذ استهواه العمل الذي يسلط عليه الفيلم الضوء، لكنه استاء من الصورة السلبية التي قدمتها الشخصيات على امتداد الأحداث، وهو شعور دفعه لاحقًا إلى السعي للانضمام بنفسه إلى شرطة الحدود.

وفي الوقت نفسه، واجه غريغوري بوفينو في شبابه طفولة صعبة، ففي عام 1981، حكم على والده بالسجن بعد تسببه، وهو في حالة سكر، بمقتل امرأة شابة تبلغ من العمر 26 عامًا أثناء قيادته شاحنة.

واضطر الأب لاحقًا إلى بيع حانته، ثم انفصل عن زوجته، وعلى الرغم من هذه المرحلة القاسية، ظل بوفينو مرتبطًا بمنطقته في ولاية كارولينا الشمالية، حيث أكمل جزءًا من دراسته.

وبعد حصوله على درجة الماجستير، التحق بالشرطة عام 1996، مقتربًا من تحقيق حلمه بأن يصبح عنصر دورية حدود، ثم انضم إلى الوحدة التي كان يطمح إليها، ثم أرسل إلى ولايات أمريكية مختلفة، وكذلك إلى خارج البلاد.

ومع تزايد المسؤوليات تدريجيًا، واصل صعوده في السلم الوظيفي، إلى أن عين عام 2020 مسؤولًا عن شرطة الحدود في قطاع إل سنترو، حيث قال إنه يشرف على نحو 900 عنصر.

من عائلة مهاجرة

وأصبحت الحدود المكسيكية الساحة المفضلة لغريغوري بوفينو لتطبيق أساليبه القاسية إلى حد ما، مع رجاله، يطارد المهاجرون القادمين من المكسيك لمنعهم من دخول الأراضي الأمريكية.

وتصفه جين باد، وهي عميلة دورية سابقة، لصحيفة "شيكاغو صن تايمز"، بأنه "نابليون صغير يريدك أن تصدق أنه بطل، وأكثر الرجال أخلاقية وكفاءة في العالم، وأن كل ما يحيط بك خطير".

وتشير الشرطية السابقة إلى أجواء معادية للنساء داخل اللواء، مؤكدة أن العديد من النساء قدمن بلاغات عن اعتداءات جنسية واغتصاب، ووفقًا لها، كان بعض المهاجرين يتعرضون أيضًا للضرب على أيدي العملاء.

وتقول: "هنا، الممارسة الشائعة هي توجيه اتهامات كاذبة ضد الأشخاص الذين ضربوا للتو".

وفي ضوء تاريخ عائلته، يبدو المصير الذي يريده غريغوري بوفينو للمهاجرين الذين يلاحقهم مثيرًا للاستغراب، فأسلافه كانوا هم أنفسهم مهاجرين إيطاليين، قدموا إلى الولايات المتحدة في عشرينيات القرن الماضي بحثًا عن حياة أفضل.

في ذلك الوقت، كان دخول البلاد معقدًا بفعل قانون جونسون–ريد لعام 1924، الذي قيد بشكل كبير إمكانية قدوم الأجانب للإقامة عبر المحيط الأطلسي، وهو نص تمييزي وعنصري يستشهد به اليوم من قبل بعض أنصار دونالد ترامب لتبرير السياسة الراهنة المناهضة للهجرة في الولايات المتحدة.