كشفت صحيفة "التايمز" تفاصيل الحياة داخل معسكر "فايكنغ" البريطاني، الذي يختبر أعصاب جنود مشاة البحرية الملكية قبل أجسادهم، ويُستخدم البرد والذعر المتعمَّد أداة تدريب على حرب لا تشبه أي حرب أخرى، لمواجهة التهديد الروسي المتصاعد.

وتعكس الأجواء داخل معسكر "فايكنغ" قناعة بريطانية بأن الصراع المقبل، إن وقع، سيُحسم في بيئة متجمدة لا ترحم، وهناك يتعلم الجنود أن الخوف يمكن ترويضه، وأن البرد قد يتحول من عدو إلى حليف، وأن أقصى الشمال بات ساحة اختبار لإرادة الدول قبل أن يكون ساحة معركة للأسلحة.

القتال أو الهروب

وقال تقرير الصحيفة، إن المدربين يدفعون الجنود فور وصولهم إلى القاعدة نحو بحيرة متجمدة، فيُلقون عبر فتحة محفورة في الجليد بكامل عتادهم القتالي، في تمرين يختبر المقاتل لحظة الانهيار الأولى، حين يتجمّد التفكير، وتسيطر غريزة "القتال أو الهروب".

ولا يُسمح للجندي بالخروج قبل أن يردد اسمه ورقمه العسكري، ويطلب الإذن بالمغادرة، في محاولة لفرض الانضباط وسط الفوضى، بحسب الصحيفة البريطانية.

يصف أحد الكوماندوز التجربة بقوله إن العقل يفرغ تماماً عند ملامسة الماء، وإن الجسد يمتلئ بالأدرينالين إلى درجة لا يعود معها الإحساس بالبرد واضحاً، مبينًا أن مواجهة الذعر وجهاً لوجه هي السبيل الوحيد للاستعداد لما قد ينتظرهم في ساحة القتال القطبية.

ويمثل هذا الاختبار جزءاً من دورة بقاء إلزامية لكل من يلتحق بالمعسكر، الذي أصبح اليوم يضم نحو 1500 جندي، في أكبر انتشار بريطاني في المنطقة منذ أكثر من 20 عاماً، وجاء التعزيز بعد تصاعد القلق من تحركات القوات الروسية المتمركزة على مقربة من الحدود النرويجية، ولا سيما أسطولها الشمالي في مورمانسك، وفقًا للصحيفة.

ونقلت الصحيفة عن قادة القوة قولهم إن أقصى الشمال يشكل نقطة تقاطع حيوية لطرق الملاحة والاتصالات المؤدية إلى بريطانيا، وأنه المكان الوحيد القادر منه الكرملين على تهديد الأراضي البريطانية مباشرة.

وأشارت الصحيفة إلى أنه من تلك المنطقة تنطلق غواصات وسفن استطلاع ترسم خرائط الكابلات البحرية، وتراقب شبكات الطاقة، وقد تمهّد لأي عمل تخريبي أو ضربة نووية محتملة.

وتسعى لندن إلى مضاعفة حجم قوة الكوماندوز المتمركزة هناك، وإلى تحويل الوجود العسكري من موسمي إلى دائم على مدار السنة، وذلك من خلال تكوين قوات قادرة على القتال في تضاريس معقدة من المضايق والجبال والغابات المتجمدة، سواء جاء الهجوم من البر أو البحر أو الجو.

30 كوماندو

وتعد وحدة "30 كوماندو" قلب هذه الاستعدادات، وهي تشكيل ذو تاريخ يعود إلى الحرب العالمية الثانية، حين أسسه إيان فليمنغ، إذ يتخصص عناصرها في التسلل خلف خطوط الخصم وجمع المعلومات في بيئة قاسية قد تتعطل فيها الأقمار الصناعية، حيثُ يرى قائدها أن أفضل وسيلة لمواجهة روسيا هي تحويل البرد نفسه إلى سلاح يضرب لوجستياتها وأنظمة قيادتها.

وتدرّبت الوحدة الأسبوع الجاري على تفجيرات تُحدث انهيارات ثلجية لقطع طرق الإمداد، كما مارس "قادة الجبال" مسارات تزلج طويلة تصل إلى مئتي ميل عبر هضاب جليدية شاسعة.

ويعتمد الجنود أساليب غير تقليدية في الحركة؛ فالهليكوبتر تُنزلهم بالحبال على قمم شاهقة، والقوارب الصغيرة توصلهم إلى المضايق، ثم يتسلقون المنحدرات بحثاً عن نقاط مراقبة، على ما أوردت الصحيفة.

وقال أحد المتخصصين، إن المطلوب منهم القدرة على التسلق ليلاً من دون إضاءة، والاكتفاء بحاسة اللمس والرؤية الليلية أحياناً، وهم يجرّون بنادقهم وسترهم الواقية، مبينًا أن المعركة في القطب لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بالتحمّل والصبر ومعرفة الأرض.

وذكرت الصحيفة أن حرب أوكرانيا أجبرت القيادة البريطانية على إعادة النظر في شكل قواتها، وخصوصًا أن المجموعات الكبيرة والمركبات الثقيلة أصبحت هدفاً سهلاً للطائرات المسيّرة، لذلك انتقلت الوحدات إلى العمل بفرق صغيرة مبعثرة تقلل بصمتها الإلكترونية والبصرية.

الدعم المدرع

ويتجسد هذا التحول داخل "مجموعة الدعم المدرع"، التي تشغّل مركبات "فايكنغ" القادرة على العمل في درجات حرارة تقل عن 31 تحت الصفر.

فبعد أن كانت القوافل تسير في تشكيلات ضخمة، باتت تتحرك اليوم بثلاث آليات فقط، وتبتعد مسافة آمنة عن خط الجبهة، لتجنّب التحول إلى هدف واحد كبير.

وخلال أحد السيناريوهات التدريبية تعرضت القوة لهجوم افتراضي بطائرات مسيّرة ونيران خفيفة، مارس الجنود تغطية الانسحاب وترك المركبات والفرار على الأقدام عبر الثلج، قبل أن تواصل الفرق المتقدمة طريقها على الزلاجات والدراجات الثلجية.

وخلال مشاركته في بعض المناورات، شدد وزير القوات المسلحة البريطاني آل كارنس، على أن ما يجري ليس تدريبات روتينية، بل "بروفات لحرب حقيقية"، مبينًا أن التركيز انتقل من التمارين التقليدية إلى الاستعداد لرد فعل فوري إذا تحركت روسيا بطريقة غير متوقعة.