رجح تحليل سياسي نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن تتجه مقامرة إيران الاستراتيجية بالتصعيد في مختلف أنحاء المنطقة نحو نتائج عكسية على الجمهورية الإسلامية، مشيرًا إلى أن هذه السياسية تعتبر "رهانًا خاسرًا".

وبحسب التحليل الذي كتبه مدير برنامج الاستراتيجية والعقيدة في مشروع القوات الجوية بمؤسسة "راند"، رافائيل إس. كوهين، فإن الاستراتيجية العسكرية للنظام الإيرانية تقوم على رهان ثابت منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، والذي يتمثل في القدرة على التحكم في مسار التصعيد.

وعلى مدى عقود، نجحت طهران في إدارة هذا التوازن الدقيق، عبر عمليات مباشرة أو من خلال شبكة وكلائها في المنطقة، دون أن تواجه عواقب تهدد استقرار النظام، بحسب التحليل.

لكن هذا الرهان، الذي صمد لنحو نصف قرن، وفقًا للكاتب، يواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا قد يقوده إلى نقطة الانكسار.

ويرى التحليل أن إيران انتقلت في هذه المرحلة إلى أكبر مقامرة استراتيجية في تاريخها الحديث، معتمدة على نهج "التصعيد من أجل خفض التصعيد".

يضيف الكاتب: "في المواجهات السابقة، حرصت طهران على ضبط إيقاع الرد، كما حدث بعد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020، حين نفذت ضربات محسوبة لم تسفر عن خسائر بشرية أمريكية، أو عقب استهداف منشآتها النووية، حيث اكتفت بردود رمزية تحمل رسالة سياسية أكثر من كونها ذات أثر عسكري".

غير أن المشهد تغير اليوم بشكل جذري، بحسب كوهين، الذي يؤكد أن إيران لم تعد تكتفي باستهداف الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل وسعت دائرة عملياتها لتشمل دولاً في المنطقة، بعضها كان يحتفظ بعلاقات متوازنة معها، إلى جانب توجيه ضربات نحو البنية التحتية الاقتصادية الحيوية، مثل منشآت النفط والمطارات والمرافق المدنية، في محاولة واضحة لرفع كلفة الحرب على خصومها.

وتراهن طهران، وفق التحليل، على أن ضرب الاقتصاد الإقليمي والعالمي سيولد ضغطًا دوليًا يدفع واشنطن إلى إنهاء الحرب، ما يمنحها موقعًا تفاوضيًا أفضل. إلا أن هذا الرهان يبدو محفوفًا بالمخاطر، بل وقد ينقلب عليها، كما يشير الكاتب في تحليله، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن استراتيجيات "التصعيد لكبح التصعيد" غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية.

ويتابع: "فمحاولة النظام العراقي السابق جر إسرائيل إلى حرب الخليج الأولى لم تُفكك التحالف الدولي، بل عززته. كما أن التصعيد الروسي في أوكرانيا، رغم تهديداته، لم ينجح في كسر الدعم الغربي، بل أدى إلى مزيد من التماسك الأوروبي".

وفي السياق الإيراني، فإن استهداف دول الخليج العربية وشركاء الولايات المتحدة قد يدفع هذه الدول إلى الانخراط بشكل أعمق في المواجهة، بدلاً من السعي لاحتوائها.

فهذه الدول، بحسب التحليل، تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة، إلى جانب أدوات ضغط متعددة، من الدعم الاستخباراتي إلى الإجراءات المالية.

كما أن توسيع نطاق الهجمات ليشمل مصالح الطاقة العالمية يضع إيران في مواجهة غير مباشرة مع قوى كبرى تعتمد على نفط الخليج، مثل الصين والهند واليابان، ما قد يؤدي إلى تعميق عزلتها الدولية بدلاً من كسب تعاطفها.في المقابل، لا تبدو القيادة الأمريكية أو الإسرائيلية مستعدة للتراجع بسهولة؛ فالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يتبنى منذ سنوات نهجًا متشددًا تجاه إيران، فيما يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن اللحظة الحالية تمثل فرصة مثالية لإضعاف النظام الإيراني عسكريًا بشكل حاسم.

وحتى في حال نجحت طهران في خلق ضغوط اقتصادية أو سياسية تدفع نحو إنهاء الحرب، فإن الكلفة الاستراتيجية ستكون باهظة؛ فاقتصادها يعتمد بشكل كبير على علاقاتها الإقليمية، حيث يُقدر أن نحو 60% من تجارتها تتم مع دول الجوار، ما يجعل أي تصعيد طويل الأمد عامل استنزاف داخلي إضافي.وفي المحصلة، يرى التحليل أن إيران، حتى لو تمكنت من الصمود أو ادعت تحقيق "نصر"، فإنها ستخرج من هذه المواجهة أكثر ضعفًا وعزلة، في ما يشبه "انتصارًا باهظ الثمن"؛ فالرهان على التحكم في التصعيد قد يتحول، هذه المرة، إلى مقامرة استراتيجية خاسرة.