في أحد أقدم المواقع الدينية في القدس، حيث الغرفة التي يعتقد المسيحيون أن السيد المسيح تناول فيها العشاء الأخير، وصولًا إلى دير “دورميتيون آبي” الذي يُعتقد أن السيدة مريم رقدت فيه قبل صعودها إلى السماء، وقع حادث اعتداء خطير في أبريل.
الحادثة وقعت عندما قام مستوطن يهودي من الضفة الغربية بدفع راهبة كاثوليكية فرنسية وإسقاطها أرضًا ثم ركلها، في واقعة قالت الشرطة الإسرائيلية إنها جاءت بدافع “العداء الديني”.
وقد وثقت كاميرات المراقبة الحادثة في وضح النهار، ما أثار موجة صدمة واسعة في الأوساط الدينية والدبلوماسية.
لكن رئيس دير “دورميتيون آبي” الأب نيكوديموس شنابل قال إنه لم يتفاجأ، مؤكدًا أن ما تم توثيقه ليس سوى جزء صغير من واقع أوسع بكثير.
وقال شنابل: “المسيحيون اليوم يُضربون ويُبصق عليهم ويُعتدى عليهم... هذه ليست حالة واحدة، هناك الكثير مما لا يتم توثيقه”.
وأضاف: “صدقوني، هذه ليست قصة شخص ضائع واحد”.
موجة اعتداءات متصاعدة ضد المسيحيين
تشير شهادات دينية وميدانية إلى أن المسيحيين في إسرائيل يتعرضون بشكل متزايد لمضايقات واعتداءات، سواء في القدس أو في الضفة الغربية.
في القدس، يقول مسيحيون إنهم يتعرضون بشكل متكرر لمضايقات من يهود متشددين، خصوصًا خلال المسيرات الدينية التي ينفذها قوميون دينيون في البلدة القديمة، والتي تتسبب أحيانًا في تخريب ممتلكات واعتداءات لفظية وجسدية.
ويقول رهبان إن الاعتداءات لم تعد حالات فردية، بل أصبحت أكثر انتظامًا وعلنية خلال السنوات الأخيرة.
تدهور الوضع في الطيبة... آخر بلدة مسيحية كبرى في الضفة
على بعد نحو 20 ميلاً من القدس، تقع بلدة الطيبة، وهي البلدة المسيحية الوحيدة ذات الغالبية المسيحية في الضفة الغربية، حيث يتحدث السكان عن تراجع حاد في عددهم بسبب الضغوط الاقتصادية واعتداءات المستوطنين.
ويقول السكان إن مجموعات من المستوطنين المسلحين يهاجمون الأراضي الزراعية ويحاصرون البلدة، ما يدفع العائلات إلى الهجرة المستمرة.
ووفق شهادات محلية، فإن عددًا من العائلات غادرت الطيبة خلال السنوات العشر الماضية إلى الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وإسبانيا، في موجة نزوح كبيرة بالنسبة لبلدة لا يتجاوز عدد سكانها 1500 نسمة.
مستوطنات، اعتداءات، وهجرة قسرية
رئيس بلدية الطيبة سليمان الخوري قال إن المستوطنين سيطروا على أراضٍ زراعية ومنعوه من حصاد بستان زيتون يملكه بمساحة أربعة دونمات بعد إغلاق المنطقة وإقامة سياج.
وفي المقابل، اضطر رجل الأعمال حنا مسيس إلى وقف بناء فندق متعدد الطوابق بسبب الهجمات المتكررة.
أما بشير معروف، فقد غادر منزله بالكامل بعد أن أصبح هدفًا لعمليات إغلاق طرق وهجمات ليلية.
وفي الجنوب، تعرض مصنع الإسمنت التابع لرولاند بصير لهجمات أدت إلى تدمير نوافذه ومعداته، إضافة إلى إطلاق نار في الهواء خلال هجمات متكررة، ما أدى إلى تسريح معظم العمال.
ويقول بصير إنه أنفق أكثر من 100 ألف دولار على مشروعه لكنه بات يفكر في مغادرة البلاد نهائيًا، مضيفًا: “كل يوم أعتقد أنه قد يكون الأخير... ربما أُقتل”.
توسع الاستيطان وتحول الأرض إلى مناطق مغلقة
ونقلت واشنطن بوست عن شهادات محلية، أن البؤرة الاستيطانية بدأت في المنطقة قبل سنوات بخيمة واحدة، لكنها تحولت تدريجيًا إلى منازل متنقلة ثم مزرعة صغيرة، قبل أن تمتد لتشمل أراضي ومواقع صناعية.
ويقول السكان إن المستوطنين باتوا يدخلون المزارع، يرعون مواشيهم داخل الممتلكات الخاصة، ويجبرون العمال على المغادرة، إضافة إلى رفع الأعلام الإسرائيلية وتخريب المركبات والمعدات.
تفكك اجتماعي وهجرة مستمرة
يقول رئيس بلدية الطيبة إن 10 عائلات ممتدة غادرت خلال العقد الأخير إلى الخارج، في نزيف سكاني غير مسبوق لبلدة صغيرة.
ويضيف: “الناس لا يستطيعون التحمل... خصوصًا الشباب الذين لا يجدون فرص عمل”.
جدل سياسي حول الموقف الغربي وإدارة ترامب
خلال العام 2024، رحب العديد من سكان الطيبة بإعادة انتخاب دونالد ترامب، معتبرين أنه “رئيس السلام”، لكن هذا التفاؤل سرعان ما تبدد.
وبعد زيارة المبعوث الأمريكي مايك هاكابي إلى البلدة، الذي وصف حريق كنيسة سانت جورج بأنه “عمل إرهابي”، تراجع لاحقًا عن تصريحاته، ما أثار غضب السكان.
كما أثارت تصريحات أخرى لهاكابي حول “الحق الإلهي لإسرائيل” في أراضٍ واسعة من الشرق الأوسط موجة انتقادات حادة داخل البلدة.
اتهامات للسياسات الإسرائيلية وصعود اليمين المتشدد
يقول مسؤولون دينيون إن تصاعد نفوذ اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية ساهم في خلق بيئة أكثر عداءً تجاه المسيحيين.
ويرى مراقبون أن هذا المناخ السياسي ينعكس على الأرض من خلال تزايد الاعتداءات والتخريب، في ظل صمت رسمي في كثير من الحالات.
تحذيرات من انهيار الوجود المسيحي
يحذر مسؤول الفاتيكان في القدس فرانشيسكو إيلبو من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تسريع هجرة المسيحيين من المنطقة.
ويقول إن الأرقام الرسمية الإسرائيلية لا تعكس الواقع الكامل، إذ إن العديد من المسيحيين يعيشون خارج البلاد.
وفي الضفة الغربية، يتراوح عدد المسيحيين بين 40 و50 ألفًا منذ سنوات دون نمو حقيقي بسبب الهجرة.
ويضيف: “الناس خائفون... لا يكفي تقديم خدمات أو مدارس، المطلوب هو الأمل للبقاء”.
أرقام وبيانات حول التراجع الديمغرافي
تشير بيانات إسرائيلية إلى أن عدد المسيحيين في إسرائيل والقدس يبلغ نحو 184 ألفًا، أي ما يقارب 1.9% من السكان، مع نمو سنوي طفيف.
لكن القيادات المسيحية تؤكد أن جزءًا كبيرًا من هذا الرقم يشمل أشخاصًا يعيشون في الخارج، ما يجعل الصورة الحقيقية مختلفة.
ردود فعل دينية ومحاولات احتواء
في بعض الحالات، أصدر كبار الحاخامات الإسرائيليين بيانات تدين الاعتداءات على المسيحيين، واعتبروها مخالفة للقيم الدينية اليهودية.
لكن القادة المحليين يؤكدون أن هذه البيانات لم تكن كافية لوقف الظاهرة.
مناخ متغير منذ 2003 حتى اليوم
يقول رئيس دير دورميتيون إن الوضع تغير بشكل واضح خلال عقدين.
فبينما كانت إسرائيل تقدم نفسها كوجهة دينية سياحية، أصبح المسيحيون اليوم يواجهون اعتداءات علنية بدلاً من مضايقات فردية.
ويضيف أن أبرز نقطة تحول كانت في 2015 عندما تم إحراق كنيسة “تكثير الخبز والسمك”، حيث دافع المحامي إيتمار بن غفير عن المتهمين آنذاك، وهو اليوم وزير الأمن القومي.