كشف مجلس القضاء الأعلى العراقي عن الحصيلة الرسمية النهائية للأموال التي جرى سحبها من الحسابات المصرفية للهيئة العامة للضرائب في القضية المعروفة إعلامياً باسم «سرقة القرن»، فيما أظهرت وثيقة رسمية أن المبلغ المحدد في ملف الدعوى بلغ 3 تريليونات و831 ملياراً و370 مليوناً و882 ألف دينار عراقي.

وبحسب الوثيقة الصادرة عن رئاسة الادعاء العام في العراق بتاريخ 22 يوليو/تموز 2026، بلغ إجمالي الأموال المستردة في القضية 285 ملياراً و381 مليوناً و928 ألفاً و485 ديناراً عراقياً، إضافة إلى 51 مليوناً و475 ألفاً و74 دولاراً، وذلك من أصل المبلغ الإجمالي المحدد في ملف الدعوى.

وتأتي هذه الأرقام في وقت يواصل فيه القضاء العراقي ملاحقة المتهم الرئيسي في القضية، رجل الأعمال العراقي نور زهير جاسم المظفر، الذي صدر بحقه حكم غيابي بالسجن لمدة عشر سنوات، إلى جانب أحكام طالت عدداً من المتهمين والموظفين المرتبطين بالقضية.

من هو نور زهير؟

نور زهير جاسم المظفر رجل أعمال عراقي، يترأس شركة «المبدعون» وشركة «القانت للخدمات النفطية»، كما يرأس حزب «حركة الرواد»، ويُعد المتهم الرئيسي في قضية سرقة الأمانات الضريبية المعروفة باسم «سرقة القرن».

وتعود القضية إلى عام 2022، عندما أُعلن عن فقدان أكثر من 8 تريليونات دينار عراقي من أموال الأمانات الضريبية، أي ما يعادل نحو 6.1 مليار دولار وفق الأرقام المتداولة حينها.

وبحسب المعلومات المتعلقة بالقضية، جرى سحب الأموال عبر ائتلاف مكون من خمس شركات نفطية، باستخدام صكوك وُصفت بأنها وهمية.

وأثارت القضية واحدة من أكبر أزمات الفساد المالي في العراق خلال السنوات الأخيرة، وأدت إلى صدور أوامر قبض بحق عدد من المسؤولين المقربين من رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، بينهم وزير المالية آنذاك علي علاوي، ومدير مكتب رئيس الوزراء رائد جوحي، إلى جانب مسؤولين آخرين.

توقيف نور زهير ثم إطلاق سراحه

في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2022، ألقت السلطات العراقية القبض على نور زهير، باعتباره رئيس مجلس إدارة إحدى الشركات المتورطة في القضية.

وأُطلق سراحه لاحقاً، بعد أن أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني استعادة نحو 5% من الأموال، مقابل تعهد زهير بتسليم كامل المبالغ التي اتُهم بسحبها خلال أيام.

إلا أن استعادة الأموال لم تصل إلى المستوى الذي كان متوقعاً، واستمرت القضية في المسار القضائي، وصولاً إلى إصدار أحكام بحق عدد من المتهمين.

تأجيل المحاكمة وغياب المتهم

حددت محكمة مكافحة الفساد في العراق يوم 14 أغسطس/آب 2024 موعداً لمحاكمة نور زهير، إلا أن الجلسة أُجلت إلى 27 أغسطس/آب من العام نفسه بسبب عدم حضور المتهم.

وقبل موعد المحاكمة، ظهر زهير في مقابلة تلفزيونية مع قناة «الشرقية» العراقية، دافع خلالها عن نفسه ونفى الاتهامات الموجهة إليه.

واتهم زهير نائباً عراقياً، لم يسمّه في المقابلة، بمحاولة ابتزازه، في إشارة قال إنها تتعلق بالنائب مصطفى سند. كما وصف القضية بأنها «كذبة القرن» بدلاً من «سرقة القرن»، وقال إن الأموال التي اتُهم بسرقتها خضعت للتدقيق، وإنها تمثل مستحقات أتعابه، متعهداً بمقاضاة الأطراف التي تتهمه بالسرقة أمام المحاكم الدولية.

ادعاء حادث السير في لبنان

في 24 أغسطس/آب 2024، ظهر نور زهير في مقطع فيديو وهو مغطى بالدماء، مدعياً تعرضه لحادث سير في لبنان، وهو ما استخدمه كسبب لعدم حضور جلسة المحاكمة.

لكن السلطات اللبنانية قالت إن ادعاء تعرضه لحادث كان زائفاً، ووصفته بأنه مجرد تمثيلية، بحسب المعلومات الواردة في ملف القضية.

وعندما حل موعد المحاكمة الجديد، غاب زهير مجدداً، ما أدى إلى إصدار مذكرات قبض جديدة بحقه، إلى جانب النائب هيثم الجبوري، الذي كان متهماً بالشراكة معه في القضية.

حكم غيابي بالسجن 10 سنوات

في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، صدر بحق نور زهير حكم غيابي بالسجن لمدة 10 سنوات.

كما صدرت أحكام بحق متهمين آخرين، من بينهم رائد جوحي، الذي حُكم عليه بالسجن 6 سنوات، وهيثم الجبوري الذي صدر بحقه حكم بالسجن 3 سنوات.

وفي وثيقة رسمية لاحقة، أوضحت رئاسة الادعاء العام العراقي أن محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية حسمت الدعوى الخاصة بنور زهير غيابياً، وقضت بسجنه عشر سنوات وفق أحكام المادة 444، رابعاً وحادي عشر، من قانون العقوبات العراقي.

القضاء يحدد الأموال المستردة

وأظهرت الوثيقة الرسمية الصادرة عن رئاسة الادعاء العام في 22 يوليو/تموز 2026 أن إجمالي المبلغ المحدد في ملف الدعوى بلغ 3,831,370,882,000 دينار عراقي.

وفي المقابل، بلغت الأموال المستردة 285,381,928,485 ديناراً عراقياً، إضافة إلى 51,475,074 دولاراً، وفق ما ورد في كتاب هيئة النزاهة العراقية.

وبذلك، فإن الأموال المستردة بالدينار تمثل نحو 7.4% من المبلغ المحدد في ملف الدعوى، قبل احتساب المبلغ المسترد بالدولار.

أحكام بحق موظفين في هيئة الضرائب

وفي سياق متصل، أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي صدور أحكام بالسجن بحق 12 موظفاً في الهيئة العامة للضرائب، بعد إدانتهم بتسهيل عمليات سحب الأموال لصالح المتهم الرئيسي نور زهير.

كما أعلن القضاء مصادرة عقارات وأموال منقولة، تعود إلى عدد من المحكومين في القضية، إلى جانب مصادرة مبلغ قدره 365 مليار دينار عراقي، أي ما يقارب 278 مليون دولار، في إطار الإجراءات المتعلقة بقضية نور زهير.

وأشار مجلس القضاء الأعلى إلى أن الإجراءات القانونية ذاتها ستُطبق في قضية «شركة مصافي الشمال»، التي تشمل المتهم الموقوف عدنان الجميلي وعدداً من أعضاء مجلس النواب.

مساعٍ لإعادة بقية أموال الدولة

وفي خطوة مرتبطة بملف استرداد الأموال، كشف مجلس القضاء الأعلى عن تحركات بالتنسيق مع رئيس الوزراء العراقي لوضع خارطة طريق تتوافق مع الآليات الدستورية والقانونية، وتهدف إلى إعادة أموال الدولة.

وتتضمن الخطة إمكانية تخفيف الإجراءات القانونية بحق المتهمين الذين يوافقون على إعادة الأموال طوعاً، وفق ما أعلنه القضاء.

وتواصل السلطات العراقية في الوقت نفسه إجراءاتها لملاحقة المتهمين الموجودين خارج البلاد، واستعادة الأموال التي لم تُسترد حتى الآن.

وتُعد قضية «سرقة القرن» من أبرز قضايا الفساد المالي التي شهدها العراق في تاريخه الحديث، بسبب حجم الأموال التي أُعلن عن فقدانها، وعدد المسؤولين والموظفين الذين ارتبطت أسماؤهم بالتحقيقات، فضلاً عن استمرار الجدل السياسي والقانوني بشأن مصير الأموال المتبقية ومحاسبة المسؤولين عنها.