أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية، الجمعة، توقيع اتفاقيات إطارية مع شركتي «بوينغ» و«آر تي إكس» لتعزيز إنتاج الصواريخ ومكوناتها، في إطار مساعي البنتاغون لرفع القدرة الإنتاجية لمنظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية، بعد الاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية في النزاعات الأخيرة.

وبحسب الوزارة، تهدف الاتفاقيات إلى زيادة إنتاج مكونات رئيسية لصاروخ «ستاندرد ميسايل-3 بلوك آي بي» (SM-3 IB)، إلى جانب إنتاج مكونات لصاروخ «ستاندرد ميسايل-3 بلوك آي آي إيه» (SM-3 IIA).

وقال وكيل وزارة الحرب الأمريكية لشؤون الاستحواذ والاستدامة مايكل دافي إن هذه الاتفاقيات تضمن حصول القوات الأمريكية على الذخائر التي تحتاج إليها، مضيفاً أن واشنطن تعمل على استقرار سلاسل الإمداد، وتوسيع إنتاج الذخائر، ووضع قاعدة الصناعات الدفاعية الأمريكية بأكملها على أساس استعداد للحرب.

مخاوف من استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية

يضغط البنتاغون على شركات الصناعات الدفاعية لزيادة إنتاج الصواريخ الاعتراضية، بعدما كشفت النزاعات الأخيرة عن نقطة ضعف قديمة في منظومة الدفاع الجوي والصاروخي الأمريكية، تتمثل في إمكانية استنفاد مخزونات أكثر الأسلحة تطوراً بوتيرة أسرع من قدرة الصناعة على تعويضها.

لكن قادة الجيش الأمريكي يرون أن زيادة الإنتاج ليست الحل الوحيد.

وقال الفريق جون رافيرتي، قائد قيادة الفضاء والدفاع الصاروخي في الجيش الأمريكي، إن مستقبل الدفاع الصاروخي يجب أن يعتمد على مزيج من الصواريخ الاعتراضية مرتفعة التكلفة والقدرات، وأخرى أقل تكلفة.

وأوضح رافيرتي، خلال حديثه للصحفيين في ندوة الفضاء والدفاع الصاروخي في 11 أغسطس، أنه لا يستطيع مناقشة كيفية تعامل البنتاغون مع النقص في الأسلحة المتقدمة التي تعتمد على تقنية الإصابة المباشرة لتدمير الصواريخ الباليستية.

وأضاف أن مسؤولي البنتاغون هم من يحددون الحاجة والإلحاح فيما يتعلق بكميات الأسلحة، قائلاً إن الجيش «ليس موجوداً فعلياً في مجال الكميات، بل في مجال الاستهلاك».

وتأتي تصريحاته في وقت تعمل فيه وزارة الدفاع على توسيع الإنتاج عبر قاعدة صناعة الدفاع الصاروخي الأمريكية، بعد الاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية الأمريكية في النزاعات الأخيرة.

توسيع إنتاج «باتريوت» و«ثاد»

في الأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الدفاع اتفاقيات بمليارات الدولارات مع شركتي «لوكهيد مارتن» و«نورثروب غرومان» لزيادة إنتاج صواريخ «PAC-3 Missile Segment Enhancement» الاعتراضية ومكونات منظومة «ثاد» (THAAD).

وجاءت تلك الخطوات بعد استثمار بقيمة مليار دولار في شركة «إل3هاريس تكنولوجيز»، يهدف جزئياً إلى توسيع قدرة إنتاج محركات الصواريخ العاملة بالوقود الصلب.

ويعالج هذا التوسع المشكلة الفورية المتمثلة في إعادة بناء المخزونات المستنزفة، لكن المخططين العسكريين يرون منذ فترة أن الاعتماد الكبير على صواريخ اعتراض متطورة مثل «PAC-3 MSE» و«THAAD» قد يؤدي إلى معادلة غير مواتية من حيث التكلفة والمخزون، خصوصاً إذا استخدمت هذه الأسلحة باهظة الثمن ضد كل نوع من التهديدات القادمة.

الحاجة إلى طبقات دفاعية مختلفة

يرى رافيرتي أن البنية الدفاعية المستقبلية يمكن أن تجمع بين صواريخ اعتراض أقل تكلفة، والمدافع، وأنظمة الحرب الإلكترونية، وفي مرحلة لاحقة أسلحة الطاقة الموجهة.

وأشار إلى أن منظومة «ثاد»، على سبيل المثال، توفر طبقة دفاعية على ارتفاعات عالية ضد الصواريخ الباليستية، ولا يمكن ببساطة استبدالها بنظام قصير المدى وأقل تكلفة. أما «باتريوت» فيعمل عادة على ارتفاعات أقل، ما يمنح الجمع بين المنظومتين القادة العسكريين فرصاً متعددة لاعتراض الصاروخ القادم.

وقال رافيرتي إن المبدأ نفسه ينطبق على الأسلحة الهجومية، حيث يسعى القادة إلى إغراق دفاعات الخصم بأسلحة ذات مسارات وسرعات وخصائص طيران ومستويات أداء مختلفة.

لكن بعض هذه البدائل لا تزال بعيدة عن الاستخدام واسع النطاق، إذ قال رافيرتي إن الولايات المتحدة تحتاج أولاً إلى إثبات جدوى تقنيات مثل الليزر عالي الطاقة وأنظمة الموجات الدقيقة عالية القدرة.

مخزونات الدفاع الصاروخي عند مستويات «حرجة»

سلطت مذكرة بحثية صادرة في 10 أغسطس عن «بي إن بي باريبا» الضوء على حجم الحاجة الملحة لزيادة الإنتاج.

ونقلت المذكرة عن توم كاراكو، مدير مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قوله إن مخزونات الولايات المتحدة من صواريخ الدفاع الصاروخي وصلت إلى مستويات «حرجة للغاية» بعد الاستخدام المكثف لها في أوكرانيا والشرق الأوسط.

كما أبلغ كاراكو محللي البنك أن مخزونات الأسلحة الهجومية بعيدة المدى التي تطلق من مسافات آمنة منخفضة أيضاً، جزئياً بسبب تفضيل البنتاغون أسلحة يمكن إطلاقها من مسافات بعيدة بدلاً من ذخائر أقصر مدى، مثل «JDAM» و«Small Diameter Bomb»، التي قد تضطر الطائرات إلى الاقتراب أكثر من دفاعات العدو.

وبحسب المذكرة، فإن مخزونات هذه الأسلحة الأقصر مدى تبدو في وضع أفضل.

محركات الصواريخ الصلبة تمثل عنق زجاجة

رغم الطلب المرتفع، تواجه زيادة إنتاج الصواريخ قيوداً مرتبطة بالموردين المتخصصين وبعملية إقرار الميزانية الفيدرالية.

وقال كاراكو إن محركات الصواريخ العاملة بالوقود الصلب لا تزال تمثل نقطة اختناق رئيسية، رغم أن الضغط قد يتراجع مع زيادة الإنتاج لدى أكبر شركتين أمريكيتين في هذا المجال، «نورثروب» و«إل3هاريس»، ودخول موردين جدد يسعون للحصول على الاعتماد.

ويركز الوافدون الجدد بشكل أساسي على المحركات ذات الأقطار الأصغر. كما يرى كاراكو أن الولايات المتحدة قد لا تحتاج على المدى الطويل إلى هذا العدد الكبير من الموردين، ما يفتح الباب أمام احتمال حدوث عمليات اندماج أو توحيد في السوق بعد انتهاء دورة التوسع الحالية.

ميزانية 2027 قد تعرقل خطط التوسع

تمثل ميزانية السنة المالية 2027 قيداً إضافياً محتملاً على خطط زيادة الإنتاج.

فقد أعلنت بعض الشركات عن اتفاقيات أولية تسمح ببدء العمل قبل الانتهاء من جميع الشروط النهائية، لكن كاراكو قال إن العقود النهائية اللازمة لدعم أجزاء من زيادة الإنتاج لم تُمنح بعد، بسبب الحاجة إلى إقرار مخصصات ميزانية السنة المالية 2027.

وبحسب «بي إن بي باريبا»، لا يرى كاراكو فرصة كبيرة لتحقيق تقدم كبير في الميزانية قبل انتخابات التجديد النصفي، كما أن الكونغرس قد يواجه صعوبات في إقرار تشريعات الإنفاق خلال الجلسة التي تعقب الانتخابات في نهاية العام.

وفي الوقت نفسه، يحاول البنتاغون منح الموردين رؤية طويلة المدى كافية لتشجيعهم على الاستثمار قبل الانتهاء من كل عقود الإنتاج.

«نورثروب غرومان» توسع إنتاج مكونات PAC-3 وTHAAD

يمثل الاتفاق الأخير مع «نورثروب غرومان» مثالاً على هذا النهج. إذ يتيح إطار يمتد سبع سنوات بقيمة تقارب ملياري دولار للشركة توفير محركات صاروخية تعمل بالوقود الصلب لصواريخ «PAC-3 MSE»، بعد اعتمادها كمورد ثانٍ، إضافة إلى زيادة إنتاج أجهزة الإشعال والسلامة.

ومن المتوقع أن تتبع الاتفاقية عقود إنتاج محددة وإيرادات لاحقة.

وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لسوق محركات الصواريخ الصلبة، لأن «نورثروب غرومان» ستصبح مورداً بديلاً لـ«إل3هاريس»، ما يخلق منافسة على مستوى برنامج «PAC-3 MSE» بين أكبر منتجين أمريكيين لمحركات الصواريخ.

وقالت «نورثروب غرومان» إنها استثمرت نحو ملياري دولار خلال السنوات الماضية في قطاع الذخائر ومحركات الصواريخ الصلبة، من بينها أكثر من مليار دولار خصصت لمحركات الصواريخ الصلبة وحدها.

أما دور الشركة في منظومة «ثاد» فهو مختلف، إذ إنها مورد قائم بالفعل لمكونات الهيكل والحماية الحرارية، ويُطلب منها الآن توسيع هذه العمليات بالتزامن مع زيادة إنتاج صواريخ الاعتراض لدى «لوكهيد مارتن».

رفع إنتاج «ثاد» من 96 إلى 400 صاروخ سنوياً

وبموجب اتفاق منفصل بقيمة نحو مليار دولار، تخطط «نورثروب غرومان» لرفع إنتاج هياكل جسم الصاروخ ومجموعات الحاجز الخلفي والدروع الحرارية إلى أربعة أضعاف مستواها الحالي.

وسيتم توريد هذه المكونات حصرياً إلى «لوكهيد مارتن»، المتعاقد الرئيسي على منظومة «ثاد» والمسؤول عن دمج مكوناتها النهائية.

وقال دان فيديريكو، مدير هندسة المركبات في قطاع الفضاء بالمنطقة الغربية لدى «نورثروب غرومان»، إن الاتفاق سيسمح للشركة باستثمار ملايين الدولارات لتوسيع قدراتها التصنيعية دعماً لبرنامج «ثاد».

ويأتي الاتفاق ضمن جهد أوسع من البنتاغون و«لوكهيد» لرفع القدرة الإنتاجية السنوية لمنظومة «ثاد» من 96 صاروخ اعتراض إلى 400.

ولا يمكن تحقيق هذه الزيادة من خلال توسيع عمليات التجميع النهائية لدى «لوكهيد» وحدها، إذ يجب على الموردين الذين ينتجون أنظمة الدفع والباحثات والمكونات الهيكلية ومواد الحماية الحرارية زيادة إنتاجهم بالتزامن تقريباً.

ولهذا السبب، بدأت وزارة الدفاع الأمريكية العمل بصورة مباشرة ومتزايدة مع هؤلاء الموردين لمنع تحول أي مكون منفرد إلى عنق زجاجة يعرقل الإنتاج.

صاروخ «ثاد» بسرعة تصل إلى «ماخ 8»

تشمل أعمال «نورثروب غرومان» في برنامج «ثاد» الهيكل الأساسي لجسم الصاروخ، وهو هيكل يتحمل الأحمال وتُدمج حوله بقية مكونات الصاروخ، إضافة إلى مجموعات الحاجز الخلفي في الجزء الخلفي من الصاروخ، والتي يجب أن تتحمل أحمالاً كبيرة أثناء الإطلاق والطيران بمحركه.

كما تنتج الشركة مجموعات الدرع الحراري التي تحمي الصاروخ من البيئة الحرارية القاسية الناتجة عن الطيران بسرعات هائلة، وقد صممت «لوكهيد مارتن» هذا الدرع.

وقال فيديريكو إن التحدي الحراري يحمل بعض أوجه التشابه مع التحديات التي تواجه المركبات الفضائية عند عودتها عبر الغلاف الجوي، رغم اختلاف طبيعة المهمتين.

وأوضح أن صاروخ الاعتراض يُطلق ويتحرك بسرعة هائلة تصل إلى «ماخ 8»، أي أكثر من 6 آلاف ميل في الساعة، لاعتراض الصواريخ الباليستية القادمة.

وصُممت منظومة «ثاد» لاعتراض الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة ومتوسطة المدى خلال مرحلتها النهائية، بما في ذلك على ارتفاعات شاهقة وفي بعض الاشتباكات خارج الغلاف الجوي.

ويؤمن معزز صاروخي يعمل بالوقود الصلب التسارع الأولي لصاروخ الاعتراض، بينما يعمل نظام منفصل للتحكم في الانحراف والاتجاه على توجيه مركبة القتل نحو الهدف.

وأكد فيديريكو أن أهمية المنظومة ازدادت مع ارتفاع عدد الهجمات بالصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط، ما أدى إلى زيادة الطلب على منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية.

ووصف «ثاد» بأنه «ذخيرة استراتيجية فريدة جداً» اضطلعت بدور كبير، خصوصاً في ظل التطورات الجارية في الشرق الأوسط.