تتصاعد في سوق النفط معركة بشأن حقيقة ما يجري في مضيق هرمز: هل أصبح الممر المائي الحيوي شبه مغلق أمام ناقلات النفط، أم أن كميات أكبر بكثير من النفط لا تزال تعبره، كما تقول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟

كانت الرواية السائدة تفيد بأن المضيق مغلق فعلياً أمام حركة ناقلات النفط. فقد أطلقت إيران النار على عشرات الناقلات التي حاولت العبور، بينما أظهرت خدمات تتبع الملاحة، التي تعتمد على بيانات أجهزة الإرسال وصور الأقمار الصناعية، انخفاضاً كبيراً في عدد السفن التي تحاول المرور عبر المضيق. وفي الوقت نفسه، تواصل مخزونات النفط العالمية التراجع.

لكن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت قدم الأسبوع الماضي رواية مختلفة تماماً، قائلاً إن المضيق مفتوح وإن النفط يتدفق بوتيرة أسرع بكثير مما يعتقده السوق.

وبحسب سي إن إن، فإن رايت يستند في ذلك إلى معلومات تحصل عليها وزارة الطاقة من الجيش الأمريكي، الذي ينتشر في المنطقة ويقوم بدوريات في المضيق ويرافق السفن أثناء دخولها وخروجها ويحميها من الهجمات.

وقالت متحدثة باسم وزارة الطاقة الأمريكية إن الوزارة، بالتنسيق مع الجيش الأمريكي، تمتلك أفضل البيانات المتاحة بشأن كميات النفط والمنتجات النفطية التي تغادر الخليج.

تضارب كبير في الأرقام

قال رايت إن متوسط تدفق النفط عبر مضيق هرمز خلال سبعة أيام ارتفع إلى 9 ملايين برميل يومياً.

لكن هذا الرقم يتعارض بصورة مباشرة مع تأكيد إيران أن المضيق مغلق، كما يتعارض مع بيانات شركات تتبع السفن، التي قدرت التدفقات بنحو نصف الرقم الذي ذكره الوزير الأمريكي.

وقال حماد حسين، كبير اقتصاديي المناخ والسلع في مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس»، إن معرفة كمية النفط التي تغادر الخليج أصبحت صعبة بشكل متزايد، مشيراً إلى أن التصريحات المتناقضة من المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين تزيد من حالة الغموض.

ويعتمد محللو وول ستريت على خدمات تتبع السفن، إلى جانب بيانات المخزونات وتقارير القطاع، لتقدير تدفقات النفط.

وتشير بيانات هذه الخدمات إلى أن ناقلات النفط تنقل حالياً نحو 4 ملايين برميل يومياً من الخليج العربي عبر المضيق.

ومع إضافة نحو 7 ملايين برميل يومياً من النفط الذي أعادت دول المنطقة توجيهه عبر خطوط الأنابيب وطرق أخرى لتجنب المضيق، فإن إجمالي التدفقات الخارجة من المنطقة يبلغ نحو 11 إلى 12 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 20 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الحرب.

لكن رايت قال إن إجمالي النفط الخارج من الخليج تجاوز في 8 أغسطس حاجز الـ20 مليون برميل يومياً.

شركات تتبع السفن تشكك في أرقام واشنطن

دافعت شركة «كيبلر» عن بياناتها، موضحة أنها تعتمد على شبكة تضم نحو 13 ألف جهاز استقبال في 190 دولة لتتبع نحو 350 ألف سفينة، مع تحديث مواقعها كل خمس دقائق، إضافة إلى امتلاكها أسطولاً من الأقمار الصناعية ذات المدار الأرضي المنخفض.

وقال مات سميث، مدير أبحاث السلع في الشركة، إنه لا يمكن التوفيق بين الفارق الكبير بين البيانات التي تراها «كيبلر» والأرقام التي نقلها وزير الطاقة الأمريكي.

وتستخدم شركات أخرى، مثل «ويندوارد إنتليجنس»، صور الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي لتتبع السفن حتى عندما تطفئ أجهزة الإرسال الخاصة بها.

وهذا يسمح لهذه الشركات برصد ما يعرف بـ«الأساطيل الظل» التي تحاول إخفاء مواقعها لتجنب اكتشافها.

«الأسطول الظل» قد يفسر جزءاً من الفجوة

قد تكون هذه السفن المخفية هي أحد الأسباب التي تفسر التباين بين الأرقام الأمريكية وبيانات شركات التتبع.

فقد قدرت «كيبلر» و«ويندوارد» أن نحو خمس سفن فقط خرجت من مضيق هرمز في اليوم الذي قال فيه رايت إن أكثر من 20 مليون برميل من النفط خرجت من منطقة الخليج.

وقبل الحرب، كانت أكثر من 100 سفينة تعبر المضيق يومياً، ما يجعل عدد السفن المرصودة وفق البيانات الحالية غير كافٍ لاستيعاب تدفقات بهذا الحجم.

لكن حسين أقر بأن الصورة التي يحصل عليها سوق النفط ربما تكون غير مكتملة.

فإيران صعّدت خلال الأسابيع الأخيرة هجماتها على السفن، كما نفذت ميليشيا الحوثي، حليفة طهران، هجمات مماثلة في البحر الأحمر.

ودفع ذلك عدداً متزايداً من السفن التي تعبر مضيقي هرمز وباب المندب إلى محاولة إخفاء مواقعها وشحناتها لتجنب الاستهداف.

وبحسب «كيبلر»، شكلت السفن التي لا تظهر بياناتها بشكل واضح نحو نصف حركة المرور التي تمكنت الشركة من تتبعها في مضيق هرمز خلال الأسابيع الأخيرة، مقارنة بنحو الثمن قبل شهر.

وترى وزارة الطاقة الأمريكية أن خدمات التتبع قد لا تتمكن من رصد جميع عمليات العبور.

النفط قد يظهر لاحقاً في البيانات

يرى حسين أنه عندما تعيد ناقلات النفط البطيئة تشغيل أجهزة الإرسال الخاصة بها بعد خروجها من مناطق الخطر، قد يكتشف السوق أن كميات النفط التي غادرت المنطقة كانت أكبر بكثير مما كان يعتقد.

وقال دان بيكرينغ، مؤسس وكبير مسؤولي الاستثمار في «بيكرينغ إنرجي بارتنرز»، لـ«سي إن إن» إنه مستعد للنظر في أرقام وزارة الطاقة الأمريكية باعتبارها ممكنة.

وقال إن الولايات المتحدة تسهل بالفعل مرور كمية لا بأس بها من النفط عبر المضيق، وإن إيران لا تمنع كل عمليات العبور.

وأضاف أن أفضل نهج في ظل حالة الشك تجاه إدارة ترامب هو «الثقة مع التحقق»، مشيراً إلى أنه من الممكن أن تكون أرقام وزير الطاقة صحيحة.

لماذا تهم هذه الأرقام سوق النفط؟

سبق أن أقرت وول ستريت بأنها أخطأت في تقدير كمية النفط التي تمكنت من الخروج من مضيق هرمز.

وقالت ناتاشا كانيفا، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في بنك «جي بي مورغان»، في يونيو، إن انخفاض أسعار النفط دفعها إلى إعادة النظر في تقديرات كمية النفط التي ربما كانت تخرج من الخليج، بما في ذلك احتمال وجود كميات كبيرة من النفط «السري» التي تنقلها ناقلات أغلقت أجهزة إرسالها.

ويستخدم «جي بي مورغان» بيانات الشحن من «كيبلر» ضمن مجموعة من المصادر التي يعتمد عليها لتقدير العرض والطلب في سوق النفط.

وقد مال السوق في الفترة الماضية إلى تصديق رواية إدارة ترامب، مع إبقاء الآمال قائمة بإمكانية التوصل إلى حل، وبأن الجيش الأمريكي قادر على الحفاظ على تدفق النفط.

وساعد ذلك في إبقاء الأسعار أقل بكثير مما كان يمكن توقعه في ظل أكبر صدمة محتملة لإمدادات النفط.

المزيد من النفط قد يعني أسعاراً أقل لفترة أطول

إذا كانت كميات النفط التي تغادر الخليج أكبر من التقديرات الحالية، فقد يساعد ذلك في إعادة بناء المخزونات العالمية بوتيرة أسرع، ويحافظ على أسعار النفط عند مستويات أقل لفترة أطول.

وقد يمنح ذلك ترامب غطاءً اقتصادياً وسياسياً إضافياً في المواجهة مع إيران.

لكن حسين يرى أن الرقم الدقيق لتدفقات النفط لا يهم السوق بقدر أهمية تأثيره على استقرار الإمدادات.

وتشير التقديرات إلى أن المخزونات العالمية أصبحت أقل بنحو 1.5 إلى 1.9 مليار برميل مقارنة بمستوياتها عند بداية الحرب، بحسب الجهة التي تجري التقدير.

وساعدت المخزونات الكبيرة التي كانت موجودة قبل الحرب في منع حدوث أزمة أكبر عندما تراجعت الإمدادات.

ومع استمرار سوق النفط في تسجيل عجز، فإن زيادة كميات النفط التي تعبر المضيق تعني أن السوق يستطيع تأجيل نقطة التحول الخطرة لفترة أطول، وهي اللحظة التي تصبح فيها الاحتياطيات غير كافية لتوفير النفط الذي يحتاجه العالم.