كشفت صحيفة «واشنطن بوست» أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أعلن، الاثنين، حملة واسعة من العقوبات المالية والضغوط الدبلوماسية تستهدف قطع ما تبقى من صلات إيران بالاقتصاد العالمي، لكنه امتنع عن تحديد الدول التي قد تستهدفها العقوبات الجديدة أو موعد بدء تطبيقها.
وأطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحملة اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي»، في محاولة لإغلاق الثغرات المتبقية في شبكة العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران ودفعها نحو ما وصفه بيسنت بـ«النهاية» للحرب التي بدأها ترامب في فبراير.
قطاعات جديدة على قائمة العقوبات
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها ستضيف خمسة قطاعات من الاقتصاد الإيراني إلى قائمة الاستهداف، تشمل العملات المشفرة المستخدمة من جانب الحرس الثوري الإيراني وشخصيات مرتبطة بالنظام، والتقنيات ذات الصلة بالأسلحة، والذهب المستخدم لدعم العملة الإيرانية المتراجعة، وشركات الطيران الإيرانية، إلى جانب قطاع الشحن الذي ينقل مكونات الأسلحة والنفط.
كما أعلنت واشنطن فرض عقوبات على 60 كياناً وشخصاً وسفينة، قالت إنهم يساعدون إيران في الحصول على تقنيات نووية وصاروخية، وتنفيذ عمليات إلكترونية، وبيع النفط.
وقال بيسنت إن ترامب يجري اتصالات مع قادة دول أخرى للمطالبة بدعم الولايات المتحدة فيما وصفه بالسعي إلى «خنق النظام اقتصادياً»، لكنه لم يكشف أسماء القادة الذين تم التواصل معهم أو مهلة محددة لاتخاذ إجراءات ضد طهران.
وتعد الصين وتركيا والعراق من أبرز الشركاء التجاريين لإيران.
وقال بيسنت للصحفيين في وزارة الخزانة بواشنطن إن الولايات المتحدة «تتوقع اتخاذ إجراءات»، مضيفاً: «ليست لدينا هنا قدرة على الانتظار إلى ما لا نهاية».
لماذا تؤجل واشنطن العقوبات الأقسى؟
وعندما سُئل بيسنت عن سبب عدم فرض عقوبات واسعة فوراً، قال إن الإدارة الأمريكية تريد منح الدول الأخرى «فرصة لتصحيح السلوك السيئ».
وأضاف أن واشنطن لا تريد «تفجير النظام المالي العالمي»، معتبراً أن توجيه «طلقة تحذيرية» وتحديد التوقعات يمثلان خطوة مناسبة في الوقت الحالي.
لكن الإعلان لم يرقَ إلى مستوى توقعات بعض الخبراء، خصوصاً بعد أيام من التصريحات المتصاعدة من ترامب وبيسنت حول شن ما وصفاه بـ«يوم إنزال اقتصادي» ضد إيران وشركائها التجاريين.
وكان بيسنت قد كتب في مقال نشرته «فايننشال تايمز» الأحد أن الولايات المتحدة «فككت بدرجة كبيرة القدرات العسكرية الإيرانية وأضعفت برنامجها النووي»، متعهداً بأن الاثنين سيشهد إطلاق «أكبر هجوم مالي منفرد» ضد خصم.
الصين تمثل الاختبار الأصعب
وترى تحليلات نقلتها «واشنطن بوست» أن السؤال الأهم يتمثل في مدى استعداد إدارة ترامب لمواجهة الصين بالعقوبات، خصوصاً قبل شهر واحد من زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ المقررة إلى واشنطن.
وقال مات سوينهارت، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية، إن نجاح الحملة سيتوقف إلى حد كبير على ما إذا كانت واشنطن مستعدة لتجاوز الخطوط الحمراء في الهدنة التجارية مع الصين.
وأوضح أن الضغط المباشر على الحكومات الأجنبية قد يحقق نتائج، لكن التأثير الحقيقي لن يظهر إلا إذا استهدفت الولايات المتحدة المصافي الصينية الخاصة التي تشتري النفط الإيراني، إلى جانب البنوك الصينية الكبرى التي تسهل هذه التجارة.
وعندما سُئل بيسنت عما إذا كانت البنوك الصينية قد تكون ضمن العقوبات القاسية، أجاب بأن «لا أحد فوق طائلة العقوبات الأمريكية».
عقوبات جديدة بعد استنفاد الخيارات؟
ويرى سوينهارت أن إعلان الاثنين قد يشير إلى أن إدارة ترامب استنفدت تقريباً أدواتها المتاحة في مواجهة إيران، متسائلاً عن سبب عدم اتخاذ هذه الإجراءات في وقت سابق.
في المقابل، قال آدم سميث، الذي عمل على ملف العقوبات الإيرانية خلال إدارة باراك أوباما، إن استراتيجية بيسنت يمكن أن تكون فعالة، مشيراً إلى أن الضغط على القنوات المالية الإيرانية ساهم في النهاية في الوصول إلى الاتفاق النووي لعام 2015.
وأضاف أن الجمع بين العقوبات الجديدة والحصار البحري المفروض على إيران قد يكون له تأثير ملموس إذا استمر الضغط.
لكن راشيل زيمبا، الباحثة في مركز الأمن الأمريكي الجديد، حذرت من أن الخطاب الأمريكي قد يكون أقوى من الاستعداد الفعلي لتنفيذ الإجراءات، مشيرة إلى أن الخيارات الإضافية للضغط الاقتصادي على إيران أصبحت محدودة، وكل منها ينطوي على تكاليف اقتصادية أو جيوسياسية.
عقوبات أمريكية مستمرة منذ عقود
ليست هذه المرة الأولى التي تعلن فيها إدارة ترامب تشديد الضغوط على إيران. فقد فرضت واشنطن مراراً عقوبات على شركات أجنبية مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، فيما تواصل الحملة العسكرية الأمريكية ضد طهران وسط مؤشرات على جمود في الحرب.
وخلال ولايته الأولى، اعتمد ترامب سياسة أطلق عليها «الضغط الأقصى» على إيران. وخلال العام الماضي، وقبل الهجوم العسكري في فبراير، نفذت الإدارة أيضاً ما سمته «عملية الغضب الاقتصادي» بهدف دفع إيران إلى التخلي عن برنامجها النووي.
وتعود بعض العقوبات الأمريكية على إيران إلى عام 1979، بعد أزمة احتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين في طهران.
وترى «واشنطن بوست» أن العقوبات أصبحت أداة متكررة في السياسة الخارجية الأمريكية لتحقيق أهداف لا ترغب واشنطن أو لا تستطيع الوصول إليها عبر القوة العسكرية، لكن سجلها في تحقيق النتائج يبقى متفاوتاً.
طهران تتحدى التهديدات الأمريكية
وفي طهران، قلل رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من أهمية التهديدات الأمريكية، واصفاً إياها بأنها «ضجيج كبير»، وقال إن الشركاء التجاريين لإيران لن يمتثلوا للعقوبات الأمريكية.
وتأتي التصريحات في وقت وصلت فيه الحرب إلى حالة شبه جمود خلال الأسابيع الأخيرة، بينما أدى القتال المستمر منذ أشهر إلى اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
وأدى اضطراب الملاحة إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، في وقت تواجه فيه إدارة ترامب ضغوطاً سياسية بسبب الحرب.
وتزامن ذلك مع تسجيل العملة الإيرانية مستوى قياسياً منخفضاً أمام الدولار، فيما أدى ارتفاع التضخم إلى جعل الحياة أكثر كلفة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الإيرانيين، رغم أن تهديدات طهران بشأن الملاحة في مضيق هرمز لا تزال تمنحها ورقة ضغط استراتيجية.