أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على مؤسسة مالية تركية، متهمة إياها بتسهيل نقل عائدات مبيعات النفط الإيراني من الصين إلى تركيا، حيث يمكن تحويلها إلى أموال نقدية وذهب، في أحدث تحرك أميركي لقطع ما تصفه واشنطن بـ«شرايين الحياة المالية» للحكومة الإيرانية.
وتستهدف العقوبات بنك «غولدن غلوبال ياتيريم بانكاسي» التركي وكيانات مرتبطة به، ضمن حملة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتشديد الضغوط الاقتصادية على طهران وقطع قنوات تمويلها وتجارتها الدولية.
وقالت الخزانة الأميركية إن البنك أُنشئ للمساعدة في نقل عائدات النفط الإيراني من الصين إلى تركيا، واتهمته أيضاً بتقديم خدمات مصرفية «عن علم» لكيانات مالية إيرانية، بينها مؤسسات سبق أن فرضت واشنطن عقوبات عليها عام 2022 لدورها المزعوم في تمرير مبيعات النفط الإيراني.
بيسنت: سنفرض عقوبات على بنك آخر الأسبوع المقبل
وجاء الإعلان في وقت صعّد فيه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لهجته تجاه المؤسسات المالية التي تتعامل مع إيران.
وقال بيسنت، خلال ظهوره في برنامج «وور روم»، إن واشنطن فرضت عقوبات على بنك آخر، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة استهدفت في الأسبوع الماضي بنكاً مصرياً لديه خمسة فروع في دبي، واتهمته بتسهيل وصول نحو 1.8 مليار دولار إلى الحكومة الإيرانية.
وأضاف أن واشنطن ستفرض عقوبات على بنك آخر في اليوم نفسه، مرجحاً اتخاذ إجراء مماثل ضد بنك آخر الأسبوع المقبل.
وقال بيسنت إن العقوبات تعني عملياً للمؤسسات المستهدفة أنها «خارج نطاق الأعمال»، موجهاً رسالة مباشرة إلى ما وصفهم بـ«الجهات السيئة» في النظام المالي: «نعرف من أنتم، وأنتم تعرفون من أنتم.. انتهى الأمر».
وتأتي تصريحات بيسنت في إطار ما أعلنته واشنطن باسم «عملية المنبوذ الاقتصادي»، التي أطلقت في 24 أغسطس، والتي تهدف إلى تشديد الضغوط المالية على إيران، مع توجه الإدارة الأميركية إلى فرض عقوبات ثانوية بصورة دورية على المؤسسات التي تسهّل التعاملات الإيرانية.
بيسنت: لا شحنات نفط إيرانية عبر هرمز إلى الصين
وفي منشور على منصة «إكس»، قال بيسنت إن أي شحنات من النفط الخام الإيراني لم تتمكن من العبور بنجاح عبر مضيق هرمز إلى الصين منذ إعادة الولايات المتحدة فرض حصارها.
وأضاف أن المخزونات النفطية الإيرانية لا يمكن تعويضها، في ظل تراكم الخام على متن ناقلات عالقة داخل المضيق، مشيراً إلى أن «شريان صادرات إيران» يتعرض للقطع نتيجة تراكم النفط، ومحدودية قدرات التخزين، والانخفاض السريع في الإيرادات.
ويعكس التصريح أهمية مضيق هرمز بالنسبة لصادرات النفط الإيرانية، في وقت تحاول فيه واشنطن استخدام العقوبات والضغوط على حركة التجارة والطاقة لتقليص قدرة طهران على الحصول على العملات الأجنبية.
«عملية المنبوذ الاقتصادي» تضغط على الشركاء
وكان بيسنت قد أعلن قبل نحو أسبوع إطلاق «عملية المنبوذ الاقتصادي»، في إطار مسعى أميركي لعزل إيران عن شركائها التجاريين المتبقين وتجفيف مصادر الإيرادات التي تساعدها على تمويل اقتصادها.
لكن الحملة تواجه تحديات، خصوصاً مع اعتماد إيران على شركاء تجاريين رئيسيين، وفي مقدمتهم الصين والهند، فيما أبدت إدارة ترامب حتى الآن حذراً في التعامل مع بعض الدول التي ترتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية مع طهران.
وكان بيسنت قد قال في وقت سابق إن واشنطن تريد منح الدول فرصة للابتعاد عن التعامل مع إيران قبل فرض إجراءات أكثر قسوة، في محاولة لتجنب إحداث اضطرابات واسعة في النظام المالي العالمي.
ويكشف ذلك عن معادلة معقدة أمام الإدارة الأميركية: تشديد الخناق على إيران من جهة، وتجنب التسبب في صدمات مالية أو تجارية للدول الكبرى التي تتعامل معها من جهة أخرى.
واشنطن تتحرك ضد بنك مصري
وفي الأسبوع الماضي، اتخذت الولايات المتحدة إجراءات ضد بنك مصري يمتلك خمسة فروع في دبي، متهمة المؤسسة بتسهيل معاملات بقيمة 1.8 مليار دولار لصالح النظام الإيراني، لكنها لم تتعامل مع القضية باعتبارها نهاية الحملة.
وبحسب بيسنت، فإن البنك التركي الذي استُهدف الآن يمثل خطوة إضافية، فيما حذر من أن عقوبات أخرى قد تصدر خلال الأسبوع المقبل.
وتشير هذه التصريحات إلى أن القطاع المصرفي أصبح أحد المحاور الرئيسية في الاستراتيجية الأميركية الجديدة، مع محاولة واشنطن دفع المؤسسات المالية حول العالم إلى قطع علاقاتها بالكيانات الإيرانية الخاضعة للعقوبات.
ضغط اقتصادي بالتزامن مع التصعيد العسكري
وتأتي هذه التحركات المالية في وقت استأنفت فيه الولايات المتحدة ضرباتها العسكرية خلال الأيام الأخيرة، وردت إيران بهجمات مضادة، ما أعاد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتحولها إلى حرب إقليمية شاملة.
وبذلك تتحرك إدارة ترامب على مسارين متوازيين: الأول اقتصادي يستهدف المصارف وشبكات تجارة النفط ومصادر الإيرادات الإيرانية، والثاني عسكري من خلال الضربات المباشرة.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستتمكن من إجبار طهران على تقديم تنازلات أو إنهاء الحرب، في ظل استمرار تمسك الحكومة الإيرانية بمواقفها.
لكن تصريحات بيسنت تشير إلى أن واشنطن تعتزم مواصلة توسيع نطاق العقوبات المالية، مع رسالة واضحة للمؤسسات التي تساعد إيران في الحفاظ على تدفق الأموال: العقوبات لن تقتصر على عدد محدود من البنوك، وقد تتحول إلى إجراءات متتابعة تستهدف أي جهة ترى الولايات المتحدة أنها تساعد طهران على تجاوز القيود.