سجلت تكلفة شحن النفط على متن أكبر الناقلات في العالم مستويات قياسية هذا الأسبوع، عقب أكبر موجة هجمات على الملاحة منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أواخر فبراير، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تواجه حركة التجارة البحرية العالمية.
ووصلت أسعار شحن ناقلات النفط العملاقة جداً، المعروفة باسم «VLCC»، التي تحمل النفط من خليج عُمان إلى الصين، إلى نحو 450 نقطة على مقياس «Worldscale»، بما يعادل قرابة 11.50 دولار للبرميل، وفق بيانات بورصة البلطيق، في أعلى مستوى منذ إطلاق المؤشر في وقت سابق من العام.
وتعكس القفزة الحادة في أسعار الشحن مدى انتقال تداعيات الصراع في الشرق الأوسط إلى الاقتصاد العالمي، إذ إن استمرار ارتفاع تكاليف نقل النفط قد يزيد الضغوط التضخمية ويرفع تكاليف الشركات والمستهلكين.
هجمات هرمز تضغط على سوق الشحن
وقد أعلنت إيران الأربعاء مهاجمة 10 سفن قرب مضيق هرمز، عقب غرق الولايات المتحدة خمس ناقلات نفط إيرانية.
وقال محلل لدى شركة «فورتكسا»، يوانيس باباديميتريو، إن تجدد الهجمات بين البحرية الأمريكية وإيران يواصل دفع أسعار الشحن في منطقة الخليج إلى مستويات جديدة.
وأضاف أن ارتفاع مخاطر العمل في منطقة الخليج وحولها يدفع أيضاً أسعار الشحن من خليج عُمان إلى الارتفاع، وسط مخاوف من هجمات إيرانية، ما يؤدي إلى انخفاض عدد الناقلات المتاحة في المنطقة.
كما سجلت أسعار شحن الناقلات العملاقة على خط الشرق الأوسط إلى موانئ أمستردام وروتردام وأنتويرب مستويات قياسية جديدة.
18 دولة تحذر من «تحول هيكلي»
وفي مؤشر أوسع على اضطراب التجارة البحرية، حذرت 18 دولة من أبرز دول الشحن البحري من أن النزاعات المسلحة والحروب التجارية والظواهر المناخية المتطرفة التي تضرب سلاسل الإمداد ليست أحداثاً عابرة، وإنما مؤشرات على «تحول هيكلي» في التجارة العالمية.
وقالت «المجموعة الاستشارية للشحن»، التي تضم المملكة المتحدة وألمانيا وكوريا الجنوبية وكندا وسنغافورة، في بيان مشترك نادر نشرته الهيئة البحرية الدنماركية، إن طرق الشحن تتحول بصورة متزايدة إلى أدوات للضغط ومصادر للمخاطر.
واعتبرت المجموعة أن مضيق هرمز، الذي عرقلة إيران الملاحة فيه عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية، يمثل مثالاً صارخاً على التداعيات العالمية لصراع إقليمي، محذرة من أن تجزؤ سلاسل الإمداد البحرية يؤدي إلى تجزؤ الاقتصاد العالمي معها.
وأضافت أن تزايد استخدام الضغوط الاقتصادية أداة للتأثير يساهم في تجزئة قطاع الشحن العالمي، ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع التكاليف على الشركات والمستهلكين وزيادة المخاطر التجارية والبيئية.
شركات الشحن تتردد في عبور هرمز
وقال مسؤول تنفيذي في قطاع الشحن، مطلع على الوضع، إنه لا يشعر بثقة كافية لإرسال السفن عبر مضيق هرمز حتى مع وجود مرافقة من البحرية الأمريكية، نظراً لاستمرار خطر التعرض لهجوم، بما في ذلك بطائرات مسيّرة.
وأضاف أن مسؤولين أمريكيين نصحوا السفن بصورة غير معلنة الأسبوع الماضي بالانتظار قبل محاولة الخروج من الخليج العربي.
ودعت المجموعة الاستشارية للشحن إلى تطبيق متسق للقواعد الدولية عبر مختلف الولايات القضائية، مؤكدة أهمية الشفافية وتبادل المعلومات بين السلطات المعنية، إلى جانب الحفاظ على حرية الملاحة والأطر القانونية الدولية التي تشرف عليها مؤسسات متعددة الأطراف مثل المنظمة البحرية الدولية.
نقص متوقع في زيت وقود السفن
وفي تطور يزيد الضغوط على قطاع الشحن، تلوح في الأفق أزمة نقص في زيت الوقود المستخدم في السفن ومحطات الكهرباء خلال الربع الثالث، مع تعرض مصافي التكرير لضغوط متزايدة بسبب الحروب التي عطلت معالجة النفط الخام وحركة ناقلاته.
وتعطي المصافي الأولوية لإنتاج الديزل ومنتجات أخرى ذات هوامش ربح أعلى على حساب زيت الوقود، بينما أدت الهجمات التي طالت مصافي في روسيا والشرق الأوسط والقيود المفروضة على حركة السفن إلى اضطراب تدفقات المنتجات المكررة.
وتوقعت شركة «إنرجي أسبكتس» أن يبلغ عجز زيت الوقود 218 ألف برميل يومياً خلال الربع الثالث، وهو أول عجز تقدره الشركة منذ الربع الثالث من 2025.
وقالت المحللة لدى «ريستاد»، فاليري بانوبيو، إن إمدادات زيت الوقود ستظل شحيحة للغاية خلال الربع الثالث بسبب استمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط لفترة طويلة.
أسعار زيت الوقود تقفز 76%
وأظهرت بيانات جمعتها رويترز أن مخزونات زيت الوقود في المراكز الرئيسية في سنغافورة وأمستردام-روتردام-أنتويرب والفجيرة انخفضت بنحو 30% عن متوسطاتها الموسمية لثلاثة أعوام.
كما ارتفع سعر زيت الوقود منخفض الكبريت للغاية، وهو وقود الشحن الرئيسي، في سنغافورة بنسبة 76% منذ بدء حرب إيران وحتى الأول من سبتمبر، ليصل إلى ما يقل قليلاً عن 825 دولاراً للطن، أو نحو 130 دولاراً للبرميل، وفق بيانات منصة «زيرو نورث».
ويتجاوز ذلك ارتفاع خام برنت، الذي صعد بنحو 40% خلال الفترة نفسها.
وأشارت بانوبيو إلى أن الطلب على زيت الوقود يرتفع أيضاً بسبب السفن التي تسلك مسارات أطول لتجنب مضيق باب المندب أو البحر الأحمر بالكامل بسبب تهديدات الحوثيين.
تراجع الإمدادات من روسيا والشرق الأوسط
وأثرت الهجمات الأوكرانية بطائرات مسيّرة في إنتاج المصافي الروسية، ما دفع صادرات زيت الوقود الروسية في أغسطس إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 591 ألف برميل يومياً، مقارنة بمتوسط تجاوز 860 ألف برميل يومياً في 2025.
كما انخفضت صادرات زيت الوقود من الشرق الأوسط بنسبة 45% على أساس سنوي إلى متوسط 447 ألف برميل يومياً خلال الفترة من مارس إلى أغسطس، وفق بيانات «كبلر».
التأثير يتجاوز منطقة الخليج
ولم تقتصر القفزة في تكاليف الشحن على المسارات المرتبطة بالشرق الأوسط، إذ وصلت أسعار شحن الناقلات العملاقة من غرب أفريقيا إلى آسيا، بما في ذلك خط غرب أفريقيا إلى الصين، إلى مستويات قياسية أيضاً.
وتشير هذه التطورات إلى أن اضطرابات الملاحة والطاقة باتت تنتقل من نقاط الاختناق البحرية إلى سوق الشحن العالمي بأكمله، ما يهدد بزيادة تكاليف النقل والطاقة ويمثل ضغطاً إضافياً على التضخم العالمي.