خلصت وكالة رويترز إلى أن الأجهزة الأمنية والقضائية في إيران، المعروفة بقبضتها المشددة، تواصل ملاحقة المعارضين الإيرانيين داخل البلاد وخارجها بنجاح.
على شاشات التلفزيون والإنترنت، لا تتوقف وسائل الإعلام الرسمية عن عرض الثمن الذي يدفعه المعارضون، إما اعتراف مصور أو إعادة تمثيل لوقائع جريمة خيانة عظمى، أو أنباء عن إعدام آخر لواحد من بين آلاف الإيرانيين الذين اعتقلوا بعد الاحتجاجات الحاشدة المناهضة للحكومة في يناير.
ويقول كثيرون من الإيرانيين إن هذا النهج يحقق غايته، إذ أصبح الخوف يكبل أي شخص يفكر في النزول إلى الشارع. وبعد أسابيع من اندلاع الحرب على إيران، وفي ذروة الغارات الأمريكية والإسرائيلية على البلاد، استدعت السلطات طالب هندسة يبلغ من العمر 21 عاما للاستجواب.
وكان الطالب بوريا قد قضى بالفعل أياماً في السجن لتصويره احتجاجات خرجت في الآونة الأخيرة في مسقط رأسه. وبعدها، عند استدعائه في مارس، اتهمه المحققون بالمشاركة في قتل مسؤول محلي. وفي إسطنبول تلقت زهرة، وهي إيرانية لديها عدد ليس بكبير من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، مكالمات هاتفية مذعورة من عائلتها بعد أن هدد ضباط مخابرات باعتقال والدتها بسبب منشوراتها على إنستغرام.
وتلت ذلك زيارات عديدة لمنزل العائلة، حيث نقل الضباط رسائل إلى الشابة البالغة من العمر 23 عاماً عبر عائلتها في إيران، متهمين زهرة بالعمل مع أعداء إيران لإثارة الاضطرابات في الداخل. وفي شمال شرق إيران، اقتادت قوات الأمن فتى يبلغ من العمر 15 عاماً من فراشه، واعتقلته بتهمة المشاركة في الاحتجاجات. وفي المرة التالية التي شوهد فيها، كان عباس نيو باجيزهي معصوب العينين في مقطع فيديو مشوش يدلي فيه باعتراف قسري.
وكان عشرات الآلاف من الإيرانيين قد تظاهروا في يناير احتجاجاً على انهيار اقتصادي حملوا الحكومة مسؤوليته. وبعد مرور تسعة أشهر، تشهد البلاد أسوأ حملة قمع منذ عقود، وذلك بحسب مقابلات أجريت مع أكثر من 75 من خبراء حقوق الإنسان والمحامين والمواطنين الإيرانيين العاديين. وقالت الولايات المتحدة وإسرائيل إنهما قصفتا ما لا يقل عن 17 من مراكز الشرطة والقواعد العسكرية ومقرات المخابرات المسؤولة عن قمع احتجاجات يناير.
وحث الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الإيرانيين على "مواصلة الاحتجاج"، وقال في 13 يناير إن المساعدة في الطريق إليهم. ومنذ ذلك الحين، وجهت تهمة الخيانة لعشرات الإيرانيين الذين خرجوا إلى الشوارع، بدعوى تعاونهم مع أعداء إيران.
وأعدم ما لا يقل عن 34 شخصاً لمشاركتهم في احتجاجات يناير، بينما سجن الآلاف. ويشير تحليل أجرته رويترز لقضايا تتعلق بمتظاهرين منذ يناير، إلى وجود حملة منسقة بين أجهزة الأمن والقضاء وهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية لبث مناخ من الخوف، لا سيما بين عائلات المتهمين.
وتتجلى هذه الحملة في الداخل عبر عمليات إعدام سريعة يجري الإعلان عنها وبثها، وجلسات محاكمة خلف الأبواب المغلقة، ومحاكمات جماعية. وتمتد ملاحقة أجهزة الأمن عبر الحدود لاستهداف إيرانيين شاركوا في الاحتجاجات حيث يعيشون في الخارج.
وتكشف مقابلات مع عشرات الإيرانيين في أرمينيا وتركيا وجورجيا كيف تقمع طهران المعارضة في الخارج من خلال تهديد أفراد عائلاتهم الذين يعيشون في إيران، وإلغاء جوازات سفرهم، وحرمانهم من الخدمات القنصلية.
يقول سينا يوسفي، وهو محام معني بحقوق الإنسان يقيم حالياً في ألمانيا: "هذه إحدى أحلك الفترات في تاريخ إيران المعاصر".
واعتقل يوسفي عام 2022 بعد أن شكل مجلسا للدفاع عن المتظاهرين خلال حركة "المرأة، الحياة، الحرية"، التي اندلعت إثر وفاة الشابة الكردية، مهسا أميني، بعد احتجازها لدى شرطة الأخلاق بتهمة مخالفة قواعد زي النساء في إيران.
وأضاف يوسفي الذي صدرت بحقه أحكام عدة في إيران بسبب نشاطه في مجال الدفاع عن الحقوق والحريات، كان آخرها بتهمة "التحريض" وإطلاق تصريحات مناهضة للحكومة، أن "المحاكم، التي تأسست لتحقيق العدالة، تحولت الآن إلى أدوات للقمع... جميع مؤسسات السلطة تضافرت وتكاتفت للقيام بذلك".
ولم ترد البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة، المسؤولة عن التعامل مع استفسارات وسائل الإعلام الدولية، على طلب مفصل للتعليق بشأن حملة القمع الدموية التي تشنها السلطات. ومنذ اندلاع الاحتجاجات في يناير، تابعت رويترز عن كثب كيف تمكنت القيادة الإيرانية من البقاء في السلطة من خلال مزيج من القمع وشبكة من الهياكل المالية الغامضة.
وكشفت تحقيقات رويترز كيف تستغل إيران منصات لتداول العملات المشفرة وشبكات مقامرة غير قانونية لجمع عائدات غير مشروعة والالتفاف على العقوبات، وكيف عزز الحرس الثوري الإيراني سيطرته على مضيق هرمز، وكيف ساعدت طهران حملة القصف التي شنها المجلس العسكري الحاكم في ميانمار على أهداف مدنية. وتحجب رويترز الأسماء الكاملة لمعظم الأشخاص الذين تحدثوا عن حملة القمع من داخل إيران خشية تعرضهم للاعتقال بسبب حديثهم مع وسيلة إعلام دولية.
ولم يتسن التأكد من جميع التفاصيل التي ذكرها بوريا وزهرة وآخرون، لكن هذه الروايات - التي قُدمت في مقابلات منفصلة - تتسق مع تقارير أوسع لرويترز عن حملة الحكومة لسحق المعارضة.
وردا على أسئلة تفصيلية حول الحملة الإيرانية، كتبت آنا كيلي المتحدثة باسم البيت الأبيض أنه "على مدى 47 عاماً، تحدث الرؤساء الأمريكيون وقادة عالميون آخرون كُثر عن التهديد الذي تشكله إيران، لكن لم يجرؤ أحد على مواجهته".
وأضافت: "اتخذ الرئيس ترامب إجراء حاسما لضمان عدم تمكن إيران من إلحاق أي أذى بوطننا أو قواتنا أو حلفائنا مجدداً". وامتنع الجيش الإسرائيلي عن التعليق على ما توصلت إليه رويترز.
احتجاج وقمع
بدأت الاحتجاجات في إيران في 28 ديسمبر 2025، وذلك عقب هبوط حاد في قيمة العملة إلى مستوى قياسي آنذاك. ودفع هذا التدهور، في أعقاب سنوات عانت فيها البلاد من العقوبات وسوء الإدارة الاقتصادية، أصحاب المتاجر في بازار طهران الكبير إلى الإضراب. وانضم آلاف المواطنين في شتى أنحاء البلاد إلى هذا الاحتجاج، وطالبوا بتغيير النظام الحاكم.
ووصلت المظاهرات إلى البلدة التي يقطنها بوريا في غضون أيام. واعتقل لأول مرة في 31 ديسمبر بعد أن أمسك به شرطي بزي مدني في أثناء تصويره للاحتجاجات. وأطلق سراحه بعد توقيعه على تعهد بعدم التصوير مجدداً. ولكن بعد يومين، اعتقل بوريا مرة أخرى وهو يصور بهاتفه المحمول. أمضى بوريا (21 عاماً)، الذي يبدو أصغر من عمره بشعره الأسود الكثيف غير المرتب، ست ليال في السجن. وهناك، تعرض للضرب أثناء عمليات الاستجواب واتهم بالتجسس.
وقال إنه كان يتقاسم زنزانة مع متظاهرين مصابين - اثنان منهم بكسور في الأضلاع، وآخر مصاب بحروق بالغة في ساقه جراء عبوة غاز مسيل للدموع أطلقت على حشد من المتظاهرين. وأضاف بوريا أنه لم يتم نقل أي من المصابين إلى المستشفى. ولم تتمكن رويترز من التحقق من روايته، لكنها تتسق مع وصف سجناء سابقين لظروف الاحتجاز. وعقب إطلاق سراح بوريا، وصف كيف كان يسير وحيداً في مسقط رأسه وهو في حالة ذهول.
ففي أثناء وجوده في السجن، شن الحرس الثوري، وهو القوة المكلفة بحماية النظام عبر عمليات أمنية في الداخل والخارج، حملة قمع واسعة النطاق. وأطلقت الشرطة وقوة أمنية محلية تعرف باسم الباسيج النار على الحشود. وفي مساء الثامن من يناير، قطعت الحكومة خدمات الإنترنت وشبكات الهواتف المحمولة. وشهدت تلك الليلة والليلة التي تلتها سقوط آلاف القتلى.
وفي المجمل، وثقت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، مقتل 6488 متظاهراً وإصابة 25846 آخرين في أكثر من 200 مدينة. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من هذه الأرقام، لكنها تتسق إلى حد كبير مع إحصاءات نشرتها منظمات حقوقية أخرى. وبينما كان بوريا يتجول في حيه، رأى آثار اشتباكات الأيام السابقة من نوافذ محطمة ومبان عليها آثار طلقات.
وعلى جدران المتاجر والمنازل، كانت هناك ملصقات بصور شبان قتلوا في الشوارع، وضعتها عائلاتهم المكلومة. وتعرف بوريا على بعض الوجوه - زميل دراسة متفوق في إحدى الصور، وصديق طفولة في أخرى. وأعادت نشرات الأخبار المتواصلة عن الاعتقالات والإعدامات إلى ذهن بوريا القصص التي نشأ وهو يسمعها عن صيف عام 1988 الدامي، حين قتلت إيران آلاف المعارضين السياسيين. ففي كل صباح، كان الإيرانيون يستيقظون على أسماء القتلى تملأ الصحف والبرامج التلفزيونية.
أما هذه المرة، انتشرت الأسماء بسرعة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي. وفي صباح الثامن من يناير فتحت زهرة، وهي طالبة إيرانية في إحدى كليات إسطنبول، هاتفها لتجد عشرات المكالمات الفائتة والرسائل غير المقروءة من عائلتها وأصدقائها في إيران. حاولت الرد لكنها لم تتمكن من الاتصال بهم، واعتصرها خوف شديد. أزاحت زهرة شعرها الأسود الطويل عن وجهها، وروت كيف كانت تشاهد، وهي في حالة صدمة، تقارير إخبارية عن إطلاق قوات الأمن النار على المتظاهرين الشبان في الشوارع.
كان جيرانها وأصدقاؤها الشباب في إيران متحمسين للغاية لمشاركتهم الأولى في مظاهرات. ولم تكن تعلم إن كانوا أحياء أم أمواتا. قالت: "لم تعد لدي أي مشاعر. لا حزن، ولا فرح". شاركت زهرة في احتجاجات عام 2022، لكنها غادرت منزلها في وسط إيران عام 2024. ونادراً ما تحدثت عن السياسة بعد انتقالها إلى تركيا.
ومعظم ما تنشره على إنستغرام هو مقاطع فيديو لها وهي تحرك شفتيها مع كلمات الأغاني وترقص. تغير كل ذلك في نوفمبر، عندما بدأ غرباء في إيران بإرسال رسائل إليها يصفون فيها معاناتهم المالية. وشاركت زهرة قصصهم على الإنترنت، وأعلنت دعمها لآخر شاه لإيران، الذي أطيح بحكمه عام 1979 خلال الثورة التي قادها روح الله الخميني.
وفي ديسمبر، نشرت زهرة مقاطع فيديو قصيرة على إنستغرام تعبر فيها عن استيائها من الحكومة الإيرانية. وشاهد شباب من بلدتها منشوراتها وتواصلوا معها طالبين النصيحة حول أماكن التجمع. وقدمت زهرة لهم نصائح حول نقاط التجمع ونصحتهم بإخفاء وجوههم. وبالنسبة للعديد من الإيرانيين المقيمين في الخارج، مثلت الأسابيع التي سبقت الاحتجاجات التي خرجت في أرجاء بلدهم في يناير بارقة أمل.
ففي تركيا وأرمينيا وجورجيا، وهي دول تضم جاليات إيرانية كبيرة، نشر أشخاص مثل زهرة، رغم افتقارهم إلى الخبرة في العمل السياسي، منشورات داعمة للمحتجين على مواقع التواصل الاجتماعي، وحاولوا تنظيم تجمعات خاصة بهم في الخارج. وحظيت تلك الاحتجاجات الأولى خارج إيران بتغطية إعلامية واسعة. وعلى خلاف الإيرانيين داخل البلاد، لم يخف معظم المشاركين فيها وجوههم.
وبعد يوم واحد من قمع الاحتجاجات بعنف، زار ضباط مخابرات والد زهرة في منزله بوسط إيران. تحكي زهرة: "قالوا له 'عليك أن تخبرها بأن تتوقف عن النشر'". وقالت: "كان الأمر غريبا حقاً، فمع أنني لست شخصا معروفاً، قال رجال الأمن لوالدي 'ابنتك أشبه بزعيمة، إنها تغسل أدمغة الشبان'". وقالوا لوالدها إن الاحتجاج في منطقتهم ما كان ليحدث لولا منشوراتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتؤكد زهرة، التي تكرّس وقتها لدراستها وعائلتها، أنها ليست العقل المدبّر لأي حركة معارضة.
وكررت قائلة: "أنا مجرد شخص عادي". وتوقفت عن نشر أي محتوى يتعلق بالسياسة.
ربيع الإعدامات
أعادت إيران خدمة الإنترنت لفترة وجيزة في نهاية يناير. ولكن بعد أن شنت إسرائيل والولايات المتحدة الحرب في 28 فبراير، أغرقت إيران شعبها في الظلام الإلكتروني مرة أخرى. واستمر التعتيم وحجب المعلومات حتى أواخر مايو.
استدعي بوريا، طالب الهندسة، للاستجواب في منتصف مارس. واتهمه ضباط المخابرات بالتسبب في مقتل مسؤول سقط في احتجاجات خرجت خلال الأيام الستة التي قضاها بوريا في السجن. وبعد ثلاثة أسابيع، علم بوريا بالحكم الصادر بحقه. وقال بوريا، الذي غادر إيران بعد إطلاق سراحه بكفالة في أثناء استئنافه للحكم: "حكموا علي بست سنوات.. سنة بتهمة الدعاية ضد النظام وخمس سنوات بتهمة الإخلال بالأمن وإثارة الاضطرابات".
وكان عدد من شبان بلدته جزءاً من محاكمة جماعية بتهمة قتل المسؤول الحكومي ذاته. ووفقاً لمنظمات حقوقية إيرانية يواجه هؤلاء عقوبة الإعدام، فيما لا تزال قضاياهم قيد النظر. واطلعت رويترز على وثائق تتعلق بإدانة بوريا، لكنها لم تتمكن من التحقق من القضايا الخاصة بالشبان الآخرين، ولم يتسنَ للوكالة التواصل مع مسؤولين إيرانيين.
وبحسب الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، أعدمت السلطات منذ مارس ما لا يقل عن 34 متظاهراً على خلفية الانتفاضة الأخيرة في البلاد. في المقابل، أُعدم 15 شخصاً على خلفية احتجاجات عام 2022 على مدى أربع سنوات.
ويقول محمود أميري مقدم من منظمة حقوق الإنسان الإيرانية، التي توثق أحكام الإعدام منذ عام 2007، إن من بين أكثر من 560 عملية إعدام تم الإعلان عنها بحلول منتصف سبتمبر، كان أكثر من 10 بالمئة لسجناء سياسيين. وأضاف أنه في العقود السابقة، شكلت عمليات الإعدام في الجرائم السياسية ما بين ثلاثة وخمسة بالمئة من إجمالي الحالات. ولم تتمكن رويترز من تأكيد تحليله بشكل مستقل.
وذكر: "لم نشهد قط مثل هذا العدد الكبير من السجناء السياسيين يتم إعدامهم في مثل هذه الفترة القصيرة". وأُعدم خمسة رجال خلال الأيام العشرة الماضية، مما يشير إلى تسارع وتيرة الإعدامات.
وقال المحامي يوسفي إن الإجراءات القانونية أصبحت أسرع من ذي قبل، كما جرى تقليص الفترة الزمنية المتاحة لتقديم الاستئناف إلى النصف. وقال حميد رضا عزيزي المحلل البارز في الشأن الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية، وهي مؤسسة بحثية مقرها بروكسل، إن ذلك يعود بشكل رئيسي إلى قانون التجسس الجديد الذي تم إقراره بعد الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران في يونيو 2025، والتي أسفرت عن مقتل العديد من القادة العسكريين.
وتنظر الشخصيات المتشددة في البلاد الآن إلى الصراع الحالي على أنه "حرب هجينة" تتطلب عمليات خارجية وداخلية على حد سواء. وقال عزيزي: "هم يعتقدون حقاً أن هذه حرب تدور على جبهات مختلفة، وأنه يجب تطبيق التدابير الخاصة بزمن الحرب على جميع هذه الجبهات أيضا". ومنذ يناير، دأب مسؤولون إيرانيون على تسليط الضوء على مقتل أفراد من قوات الأمن خلال المظاهرات، ووصم المحتجين بأنهم متعاونون مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكتب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، على موقع "إكس" في يناير، بعد أيام من حملة القمع، "هل يبدو هذا 'احتجاجاً' من أجل الحرية؟ أم أنه بالضبط المشاهد ذاتها التي لن تتهاون معها الإدارة الأمريكية أبداً داخل حدودها؟".
ومع استمرار الحرب خلال الربيع، بدأت المحاكمات الجماعية للشبان المتهمين بقتل مسؤولين أو إشعال حرائق متعمدة في مدن طهران وإسفراين ومشهد. وبدأت محاكمتان جماعيتان في أصفهان، وهي إحدى أكبر مدن إيران وشهدت مظاهرات حاشدة في يناير. فقد أظهرت مقاطع فيديو حشوداً من الناس يسيرون في الشوارع، وهم يهتفون "أيها الإيرانيون، ارفعوا أصواتكم! طالبوا بحقوقكم!"، بينما أغلق أصحاب المتاجر محلاتهم تضامناً معهم.
وألقي القبض على نحو 60 شخصاً على خلفية احتجاجات شهدتها ساحة عليخاني في أصفهان. ووفقاً لوكالة ميزان، المنصة الإعلامية الرسمية للسلطة القضائية، يواجه هؤلاء اتهامات بقتل أربعة من أفراد قوات الأمن، وتخريب ممتلكات، وقيادة احتجاجات في الثامن من يناير. وسارعت الدولة إلى إنتاج ونشر مواد دعائية حول ما حدث في ساحة عليخاني.
وفي 23 يناير، بث التلفزيون الرسمي فيلماً وثائقياً بعنوان "صدمة: مُشعل النار". تضمن الفيلم اعترافات لثلاثة معتقلين، إلى جانب لقطات من كاميرات المراقبة وروايات شهود قيل إنها تقدم أدلة على جرائمهم. ووصف المحتجون "بالإرهابيين" طوال الفيلم.
ودأبت الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان وسجناء إيرانيون سابقون على التأكيد، على مدى سنوات، أن إيران تستخدم التعذيب وسوء المعاملة لانتزاع اعترافات من المعتقلين. وأشارت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة في تقرير صدر في 27 يوليو إلى أن 12 متهماً في القضية حُكم عليهم بالإعدام في جلسة واحدة عقدت في قاعة محكمة مغلقة، دون توضيح المسؤولية الفردية لكل متهم، مما ينتهك معايير المحاكمات العادلة.
وقالت رویا برومند، المديرة التنفيذية لمركز "عبدالرحمن برومند" لحقوق الإنسان في إيران، ومقره الولايات المتحدة، إنه إذا كانت لدى المحققين أدلة قوية على ارتكاب جرائم قتل، لكانت هذه القضايا أُحيلت إلى المحاكم الجنائية، أو لكانت الأدلة المصورة بُثت على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام الرسمية. وأضافت في إشارة إلى الاثني عشر متهما المحكوم عليهم بالإعدام "كل ما لديهم اعترافات قسرية".
ونشرت "ميزان" بيانات بشأن المحتجين الأربعة والثلاثين الذين أُعدموا على خلفية احتجاجات يناير. ووجدت رويترز أن البيانات تضمنت، في جميع الحالات باستثناء اثنتين، مواد متعددة الوسائط مثل لقطات من قاعة المحكمة، واعترافات للمتهمين، ورسوم بيانية توضح الجرائم المنسوبة إليهم.
ولم ترد "ميزان"، التي روجت أيضا للفيلم الوثائقي عن ساحة عليخاني مرتين على الأقل، على طلب للتعليق بشأن ما توصلت إليه رويترز. وقالت ناهد سيامدوست، وهي أستاذة مساعدة في الإعلام ودراسات الشرق الأوسط بجامعة تكساس في أوستن، إن هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية والذراع الإعلامية التابعة للسلطة القضائية تتعاونان بشكل وثيق في نشر أخبار القضايا المتعلقة بتهم ارتكاب جرائم سياسية.
ووجدت رويترز أن الجهتين تنشران بشكل متزامن في كثير من الأحيان.
وأضافت سيامدوست: "أصبح التلفزيون الحكومي أكثر تطرفاً، وبات خاضعا بدرجة أكبر لسيطرة الجناح الأكثر محافظة الذي يخاطب الشريحة الأكثر تشدداً من الإيرانيين... إنهم يأخذون أجزاء من القصة تبدو ذات مصداقية، أو ربما تكون حقيقية بالفعل، ثم يبنون صرحاً كاملاً من مجرد حجر صغير".
وفي أواخر فبراير، زار أفراد الأمن منزل والد زهرة مجدداً. وكانت الرسالة التي تركوها هذه المرة هي أن على زهرة حذف جميع منشوراتها على إنستغرام خلال ثماني ساعات، وإلا فسيتم اعتقال والدتها. وحذفت زهرة معظم منشوراتها التي تتضمن انتقادات، ونشرت "قصة" على إنستغرام تقول فيها إنها بالغة وإن أفعالها لا علاقة لها بعائلتها.
واستمرت المضايقات. وقالت زهرة إن أفراد الأمن هددوا خلال الأشهر التالية بمصادرة ممتلكات العائلة. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من صحة التهديد، لكنه يتسق مع ما وصفه آخرون بأنه مساع أوسع نطاقاً من الدولة للضغط على المعارضين في الخارج.
وفي بيان صدر في السابع من يونيو ونقلته "ميزان"، قال متحدث باسم السلطة القضائية إنه تم تحديد ممتلكات مئات الأفراد ومصادرتها بسبب ما وصفها بصلات بالعدو. وكتب رئيس السلطة القضائية في إقليم أصفهان أن عمليات المصادرة هذه تضعف زخم الاحتجاجات في الخارج، وتجعلها "عقيمة وأقل حيوية، وأكثر يأسا". وقالت زهرة إن حسابها المصرفي الإيراني جمد، لكن ممتلكات والديها لم تصادر. وفي أوائل أغسطس، استدعت السلطات أحد أقارب زهرة إلى مكتب الحرس الثوري المحلي.
وذكرت زهرة: "قال له رئيس مكتب المخابرات المحلي 'أبلغ تحياتنا لزهرة. سيتعين عليها العودة إلى إيران في نهاية المطاف'". واطلعت زهرة رويترز على سلسلة من الرسائل الصوتية التي تلقتها من قريبها بعد هذا اللقاء، يروي فيها كيف تم استجوابه بشأن منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي، وبشأنها هي وعائلتها. وقال إن ضابط المخابرات هدده بالاعتداء الجنسي.
وبعد أسابيع قليلة، استُدعي والدها أيضاً إلى مكتب مخابرات محلي. وشاركت زهرة لقطات شاشة لرسائل نصية من والدها، تظهر تلقيه مكالمات هاتفية من رقم مجهول. وخلال اللقاء، عرض عليه مسؤول ملفاً يحتوي على 500 صفحة من الأدلة، بما في ذلك لقطات شاشة لمنشوراتها على إنستغرام. وقيل لوالدها إن التهمة الرئيسية الموجهة إليها هي قيادة احتجاجات.
وعرضوا عليه أيضا قائمة بممتلكاته، مع تحذير من مصادرتها بالكامل. وقالت زهرة إن والدها مُنع من تدوين ملاحظات أو الحصول على نسخة من أي شيء بملف القضية. وغالباً ما يُمنع المتهمون في قضايا الأمن من الاطلاع على ملفاتهم كاملة. وتابعت زهرة: "قيل له 'فقط من أجل مصلحتك، يتعين على ابنتك أن تتوقف عما تفعله أو أن تعود إلى إيران'".
وفي سبتمبر، تفقدت زهرة هاتفها الإيراني لتجد رسالة مؤرخة في الأسبوع السابق تبلغها باستدعائها للمثول أمام محكمة. وفي لقطات شاشة من الموقع القضائي أطلعت عليها رويترز، نص الاستدعاء على وجوب مثول زهرة أمام المحكمة في غضون خمسة أيام لمواجهة تهم تتعلق بغسل الأموال.
ولم يتضمن الاستدعاء أي معلومات إضافية كما أن زهرة لا تملك أدنى فكرة عن التداعيات التي قد تترتب على عائلتها جراء عدم مثولها أمام المحكمة. وتعرض إيرانيون آخرون يقيمون في الخارج لضغوط مماثلة. وكشفت مقابلات مع عشرات الإيرانيين الذين شاركوا في مظاهرات مناهضة للحكومة أمام سفارات طهران في أرمينيا وتركيا وجورجيا عن نمط من المضايقات اتبعه دبلوماسيون إيرانيون وربطه المتظاهرون مباشرة بمعارضتهم العلنية للنظام.
وشارك رضا سعيد أفخم الشعراء، وهو مستشار قانوني سابق من مشهد يقيم في يريفان، في احتجاجات أمام السفارة الإيرانية، وأعلن عن تأييده لابن آخر شاه لإيران. وفي مايو، توجه إلى السفارة لتجديد جواز سفره، ليفاجأ بموظف هناك يخبره بأنه لن يحصل عليه إلا بعد أن يقر كتابياً بحضوره فعالية أثارت جدلاً لتأبين جنود أمريكيين قتلوا في الحرب على إيران. وبعد ساعات من الجدال مع مسؤول في السفارة الإيرانية، قال إنه اضطر إلى توقيع الرسالة، التي تمثل وثيقة اعتراف بالخيانة.
وأضاف أفخم الشعراء: "لا أستطيع العيش بدون وثائق هوية، وأصرت عائلتي على أن أمضي في الأمر". وفي جورجيا، أتاحت قواعد جديدة متعلقة باللجوء وتجاوز مدة الإقامة المسموح بها في التأشيرات للسلطات تسريع عمليات الترحيل. ويواجه إيمان أصغري، مهندس بترول يبلغ من العمر 37 عاماً كان صوتاً بارزاً في احتجاجات مناهضة للحكومة خرجت في تبلّيسي في وقت سابق من العام، مخاطر كبيرة في حال تم ترحيله إلى إيران.
وبحسب وثائق أعدتها عائلة أصغري، حكم عليه بالسجن 10 سنوات لمشاركته في احتجاجات مناهضة للحكومة في إيران عام 2018.
ويطعن أصغري على أمر ترحيل أصدرته السلطات الجورجية في يونيو. وذكر والده أن السفارة الإيرانية في تبلّيسي رفضت إصدار جواز سفر جديد لابنه، مما يمنعه من مغادرة جورجيا إلى بلد آخر.
وحذر والده، المقيم في بريطانيا، من أنه سيواجه خطر الاعتقال والسجن على الفور في إيران. وتشير الإحصاءات الحكومية إلى أن جورجيا رحلت 95 إيرانياً في النصف الأول من هذا العام، ولم تتمكن رويترز من معرفة مصيرهم.
وتستهدف الحكومة الجورجية المهاجرين في إطار حملة أوسع نطاقاً، لكنها تقاربت مع طهران خلال السنوات القليلة الماضية. ويقول إيرانيون في جورجيا وأرمينيا وتركيا إنهم لم يعودوا يشعرون بأن بوسعهم التظاهر بأمان، بسبب مخاوف على سلامتهم وضغوط من السلطات المحلية.
وقال مصدر دبلوماسي تركي إنه لا توجد قيود على المظاهرات السلمية التي ينظمها الأجانب "شريطة الحصول على التصاريح اللازمة على الوجه الصحيح وفقاً لأحكام القانون المحلي المعمول بها".
ولم ترد حكومتا جورجيا وأرمينيا على طلبات التعليق.
وقالت مجموعة صغيرة من الإيرانيين الذين كانوا يحتجون بانتظام أمام سفارة طهران في يريفان، إنهم أُبلغوا في مايو بأن السلطات المحلية لديها معلومات موثوقة حول تهديدات تستهدفهم. وتلقوا نصائح بمغادرة أرمينيا حفاظا على سلامتهم وسلامة عائلاتهم.
وقال أشكان، وهو إيراني يبلغ من العمر 30 عاماً التقى بعناصر في جهاز الأمن الأرميني: "حذرونا من أن هؤلاء الأفراد تم إرسالهم لاختطافنا أو اغتيالنا أو إلحاق الأذى بنا بطريقة ما". وأكد رواية أشكان متظاهر إيراني آخر حضر نفس الاجتماع، وكذلك تسجيل للاجتماع اطلعت عليه رويترز. ومع ذلك، قرر أشكان البقاء في أرمينيا.
مناخ الخوف
في أواخر يوليو، انتشر على نطاق واسع مقطع فيديو صوره أحد المارة لرافعة برتقالية اللون في ساحة عليخاني. وعرف الإيرانيون الغرض منها.. نصب المشانق. وتجمع الناس في محاولة لمنع ما سيحدث. وأظهرت مقاطع فيديو قوات الأمن وهي تفرق الحشود. وبعد ساعات، تحديداً عقب شروق الشمس بقليل، أُعدم كل من أمير حسين صفري حسين آبادي وأبو الفضل سباهي بادجاني، وهما شابان في العشرينيات من العمر، شنقاً علناً، وفقاً لمنظمات حقوق الإنسان وتقارير محلية. وأعلنت وكالة "ميزان" النبأ.
ومن بين 12 شخصاً محكوم عليهم بالإعدام على خلفية احتجاجات عليخاني، تم إعدام سبعة حتى الآن. وقال مصدر مطلع إن أمير حسين مالكي (20 عاماً)، وهو متهم في قضية عليخاني ومحكوم عليه بالإعدام، نقل إلى مكان مجهول منذ عمليتي الإعدام العلنيتين.
وأضاف المصدر أن مالكي لم يشارك في الاحتجاجات، وأنه تعرض للتعذيب لإجباره على الاعتراف، ولا يستطيع التواصل مع محام أو الاطلاع على لائحة الاتهامات الموجهة إليه. وقال المحامي يوسفي إنه خلال مظاهرات يناير، اعتقل أكثر من 30 محامياً في مجال حقوق الإنسان لمحاولتهم الدفاع عن المتظاهرين.
وبموجب القانون الإيراني، لا يحق للمتهمين بارتكاب جرائم تتعلق بالأمن، مثل المعتقلين بسبب احتجاجات يناير، توكيل محامين إلا من قائمة معتمدة مسبقاً من قبل السلطة القضائية، وهي قائمة لم يكن أي من هؤلاء المحامين مدرجاً فيها. وقال خبراء قانونيون لرويترز إن مناخ الخوف المتزايد يجعل الحصول على المعلومات صعباً.
وأوضحوا أن المتهمين قد يتمكنون أحياناً من إجراء مكالمات من داخل السجن، وغالباً ما تكون هذه هي الطريقة التي تتسرب بها المعلومات عن وضعهم.
أما عباس نيو باجيزهي، فهو فتى بلوشي من عائلة من الطبقة العاملة شارك في احتجاجات يومي الثامن والتاسع من يناير في بلدته الصغيرة آزادشهر شمال شرق إيران.
وأفاد مصدر مطلع على قضيته بأنه في اليوم التالي، توقفت خمس سيارات لا تحمل علامات تحدد طبيعتها أمام منزله، واقتاده رجال من فراشه. وقال المصدر لرويترز إنه محتجز في مركز للأحداث دون توجيه تهمة رسمية إليه.
وبحسب المصدر، تعرض الفتى، الذي كان يبلغ من العمر 15 عاماً عند اعتقاله، للتجويع والضرب على يد عناصر وحدة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري الإيراني. وصور له مقطع دعائي وهو معصوب العينين، أجبر فيه على الاعتراف بإحراق سيارة، وهو اتهام ينفيه المصدر.
ومنذ اعتقاله، لم ترد أي أخبار عن قضيته. وقال المصدر إنه في كل مرة يذهب فيها أحد معارفه إلى المحكمة للاستفسار، يتم طرده. وأتم عباس السادسة عشرة من عمره خلف القضبان. أما بوريا، الطالب السابق في الهندسة، فينصب تركيزه الآن على تدبير أمور حياته في الخارج. فعلى بعد آلاف الكيلومترات من إيران، وفي بلدة لا يعرفها، يعمل بأجر يومي.
وفي إيران، تتصل السلطات بأفراد عائلته باستمرار وترهبهم. ولحمايتهم، قطع بوريا الاتصال بهم تماماً، لكن أصدقاءه يطلعونه على ما يحدث. وقال بوريا: "إنه شعور قاس جداً أن تكون بعيداً عن عائلتك ... بدون مال أو مساعدة، ولا تعرف حتى اللغة أو الثقافة على الإطلاق".
وكل صباح، ينظر إلى هاتفه في الظلام، على أمل أن تصله أي أخبار من الوطن.