نفخ الله الروح في آدم وعلّمه الأسماء كلها. لم تكن الأسماء مجرد ألفاظ، بل مفاتيح لفهم الوجود، أدوات للتمييز، ولغة للتأمل. ومن بين تلك الأسماء، كان أعظمها المحاكاة. أن يُدرك الإنسان ما حوله، فيقلّده، ثم يُعيد خلقه على صورته، وبوظيفته، بل بما يفوقه.
آدم، أبو الإنسانية، لم يُخلق ليكون تابعاً، بل ليكون متأملاً، متعلّماً، ومبتكراً. لقد ورثنا عنه هذا الوعي، وهذه القدرة على النظر إلى الطبيعة لا كعدو، بل كمعلم.
إن تقليد الإنسان للكائنات الحية ليس نزوة، ولا ضعفاً، بل هو جوهر وعيه، وأحد أعظم آليات تطوره. علّمه الغراب كيف يدفن موتاه، فكانت أولى خطواته نحو فهم الكرامة والموت. وعلّمته الطيور كيف يحلق، فحاول عباس بن فرناس الطيران قبل أن يولد دافنشي بقرون. وعلّمته الحشرات كيف يبني، كيف ينظم، كيف يتعاون. حتى دماغه، حين أراد أن يصنع ذكاءً اصطناعياً، لم يجد نموذجاً أعظم من نفسه.
لكن الإنسان لا يكتفي بالمحاكاة. إنه يقلّد ليبتكر، ويبتكر ليخلق، ويخلق ليُعيد تشكيل العالم من حوله. كل ذراع صناعية هي امتداد لذراعه، كل طائرة هي جناحٌ حلم به، كل خوارزمية هي ظلٌ من ظلال تفكيره.
التقليد إذاً ليس تكراراً. إنه وعيٌ كوني. إنه اعترافٌ بأن الطبيعة سبقتنا، وأننا نتعلّم منها لا لنُعيد إنتاجها، بل لنُعيد تفسيرها.
في هذا التقليد تتجلّى فلسفة الإنسان. أن يرى في كل كائن حي معلّماً، وفي كل حركة درساً، وفي كل صوت إشارة. أن يكون جزءاً من منظومة، لا سيداً عليها. أن يتواضع أمام النمل، ويتعلّم من الطير، ويستلهم من الغراب.
نحن لا نخلق من العدم، بل نعيد تشكيل الموجود. وكل تقدم حقيقي يبدأ من لحظة تأمل، من لحظة تقليد، من لحظة اعتراف بأننا لسنا وحدنا في هذا الكون، بل تلاميذ في مدرسة الطبيعة.
فلنُكرم هذا التقليد لا بأن نُخفيه، بل بأن نُعلنه. لأنه ليس ضعفاً، بل هو أصل القوة. وليس تكراراً، بل هو بداية الخلق.