تشهد الساحات التعليمية حول العالم زحفاً هادئاً لقوة ثورية جديدة، هي الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد حبيساً لمختبرات البحث أو شركات التكنولوجيا العملاقة، بل أصبح شريكاً فعلياً في العملية التعليمية.

هذا التحول يطرح تساؤلات مصيرية حول مستقبل التعلم: هل نحن إزاء فجر جديد للتعليم الشخصي الفعّال، أم أمام خطر يهدد بتآكل العلاقات الإنسانية، ويُعمّق الفجوة بين الطلاب؟ الحقيقة، كما هو الحال مع معظم التقنيات العظمى، تقع في منطقة رمادية تجمع بين الوعد الكبير والتحدي الأكبر.

من جهة، يقدم الذكاء الاصطناعي بُعداً خارقاً للإمكانيات التعليمية التقليدية. فهو يحول الحلم القديم بـ «المعلم الخصوصي» لكل طالب إلى واقع ملموس. تخيل منظومة تعليمية ذكية تستطيع أن تتعرّف على نمط تعلم الطالب، سواء كان بصرياً أم سمعياً أم حركياً، فتقدّم له المادة التعليمية بالطريقة التي تناسبه.

بل وتكيّف صعوبة التمارين والمسائل بناءً على مستوى فهمه اللحظي، فتقدم الدعم الفوري حين يتعثر، وتقدم تحديات إضافية حين يتقن المادة.

هذا لا يقتصر على التحصيل الأكاديمي فحسب، بل يمتد إلى مراعاة الحالة النفسية للطالب من خلال تحليل نمط تفاعله، مما قد ينقذ طالباً يعاني من صعوبات خفية لم يلاحظها المعلم المشغول بأربعين طالباً في الصف.

كما يحرر المعلم من أعباء إدارية شاقة، مثل تصحيح الأوراق وإنشاء الاختبارات، ليركز على الإبداع في التدريس والتوجيه والإلهام، وهي المهام التي لا تستطيع الآلة محاكاتها حقاً.

غير أن هذه الصورة المشرقة لا تخلو من ظلال قاتمة. فالتعليم، في جوهره، عملية إنسانية تعتمد على التواصل العاطفي والتفاهم غير الملفوظ بين المعلم والتلميذ.

هناك مخاوف حقيقية من أن يؤدي الاعتماد المفرط على الشاشات والخوارزميات إلى تجريد التعليم من روحه، وتحويله إلى عملية ميكانيكية جافة. كيف يمكن لبرنامج حاسوبي أن يلهم طالباً بالشغف تجاه الأدب أو التاريخ؟ أو أن يقدم التعاطف والتشجيع الذي يحتاجه طالبٌ يعاني من ظروف أسرية صعبة؟ بل إن خطراً أكبر يتمثل في «الفجوة الرقمية»، حيث تتفوق المدارس الغنية في المدن الكبرى في تبني هذه التقنيات، بينما تظل المدارس في القرى والمناطق الفقيرة تعتمد على الوسائل التقليدية، مما يوسّع هوّة اجتماعية خطيرة قد تتحول إلى فصل أبدي بين طبقتين: طبقة متعلمي الذكاء الاصطناعي، وطبقة متعلمي السبورة والطباشير.

أضف إلى ذلك القلق الأخلاقي المتعلّق بخصوصية بيانات الطلاب، التي تجمعها هذه الأنظمة الذكية بكميات هائلة.

من يملك هذه البيانات؟ وكيف تُستخدم؟ وهل يمكن أن تُستغل مستقبلاً في «تصنيف» الطلاب وتحديد مساراتهم الحياتية بطريقة تحكمية؟ كما أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في حل المسائل المعقدة قد يؤدي إلى تآكل المهارات الأساسية لدى الطلاب، مثل الصبر على البحث، والتفكير النقدي العميق، وحتى الكتابة اليدوية، لصالح الاعتماد على الحلول السريعة الجاهزة.

لذا، فإن الطريق إلى مستقبل تعليمي ناجح في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكمن في رفض هذه التقنية أو تبنيها باندفاع أعمى، بل في التوازن الحكيم.

التوازن بين كفاءة الآلة وحكمة الإنسان، بين السرعة الإلكترونية والتفكير العميق، بين التخصيص الفردي وروح المجتمع داخل الفصل. يجب أن يظل المعلم هو القائد والمرشد في هذه الرحلة، يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة قوية في يده، لا كبديل عنه.

كما يجب أن ترافق هذا التحول سياسات واضحة تضمن العدالة في الوصول إلى التقنية، وحماية خصوصية الناشئة، والحفاظ على المهارات الإنسانية الأساسية.

في النهاية، ليس الذكاء الاصطناعي سوى انعكاس للذكاء البشري الذي صنعه. والتحدي الحقيقي لا يكمن في برمجة الآلات، بل في حكمة الإنسان في توظيفها.

قد تكون أجمل صفقة في تعليم المستقبل هي تلك التي نجمع فيها بين برودة الدقة الخوارزمية ودفء اللمسة الإنسانية، لتخريج جيل لا يجيد فقط التحاور مع الآلة، بل ويحافظ على قدرته على الإبداع والتعاطف والتفكير النقدي، وهي الصفات التي تظل، ولن تتوقف عن كونها، جوهر التقدم البشري الحقيقي.

* الأستاذ المشارك بجامعة البحرين