- نمضي في دروب الحياة عبر مراحل متعددة، نخوض فيها صراعات شتى، ونسعى جاهدين لتحقيق أهداف نراها من منظورنا جوهرية وذات نفع عام، ومن خلال هذا السعي نبعث برسائل قد تترك أثراً في أذهان فئات معينة من المجتمع، وربما تمتد لتصل إلى شرائح أوسع، غير أن التأثير لا يكون بالضرورة شاملاً للجميع، فكما أن أصابع اليد ليست متساوية، كذلك الناس في اختلافهم وتفاوت تقبلهم، ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع، ومن هنا تظهر قيمة الرسالة التي نقدمها فهي الأثر المتروك، ذلك الأثر الذي يشبه السلعة الثمينة، لا يدرك قيمتها إلا من عاين مضمونها، واحتفظ بها ضمن مقتنياته المعنوية ذات الأثر العميق والدلالة الصادقة.
- فالإنسان هو صانع الأثر الإيجابي، وهو مبتكر المبادرات ذات الطابع الخيري، وهو صاحب القرار الذي يفرج كرب مظلوم أو يخفف معاناة محتاج، وكل ما سبق ليس إلا صوراً متعددة للأثر المتروك، يسعى إليه الإنسان كلٌّ بحسب موقعه ودوره في الحياة، وبحسب الرسالة التي يحملها ويقدمها للناس، وأحياناً يكون هذا الأثر عبرة للآخرين، يقتدون بها في مسيرتهم، ويتعلمون منها مهما اختلفت طبيعة الأدوار، أو تنوعت المبادئ، غير أن السعي لترك الأثر ينبغي أن يكون نابعًا من أهلية صادقة، إذ لا يصح أن نسلك طريقاً لا نملك مقوماته، فكم من أثرٍ أريد له الخير، فانقلب عكس المقصود.
- ويؤكد هذا المعنى الحديث النبوي الشريف: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث «صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له”، حيث يبين أن الأعمال الدنيوية تنتهي برحيل الإنسان، بينما يبقى الأثر ممتداً، لا سيما الأعمال الخيرة، فالتجارة مع الله هي التجارة الرابحة، وهي التي تزرع القبول في قلوب الناس، وكلما اتسعت هذه التجارة، وسع الله دائرة المحبة من حولك، وجعل أثرك باقياً ممتداً حتى بعد الممات، فلا غنى للمرء عن بناء جسر الوصل بينه وبين ربه، ليكون نفعه متعديًا للعباد في الدنيا.
- ونحن حين نفجع برحيل الأحبة، سواء كانوا أقارب أو أصحاب أثر طيب بين الناس، فإننا نترحم عليهم ونتذكر أعمالهم، ونستحضر سيرتهم وما قدموه من خير. فالأثر لا ينتهي بالوفاة، بل يواصل حياته في نفوس من تلقوه، ويستمر طريقه على أيدي من تأثروا به، وهذا هو المعنى الحقيقي للأثر المتروك، كما أننا نقيس هذا الأثر في حياة الأحياء، أولئك الذين لا يزالون يعملون بصمت، ويبادرون إلى الخير، وتمتد أياديهم البيضاء للمتعففين، ويتركون بصمات لا تنسى في الدنيا والآخرة.
- وفي هذا السياق، تبرز القاعدة العظيمة «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، سواء على المستوى الأسري أو العملي أو المجتمعي، فكلمة الإنسان وأسلوبه ومبادئه وتصرفاته، كلها آثار تخلف أثراً لا يزول، ليس فقط بعد رحيله عن الدنيا، بل حتى في تفاصيل حياته اليومية، في خروجه من منزله، أو انتقاله من منصب إلى آخر، أو فيما يقدمه من محتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إنها دعوة صادقة للتراحم بين الناس: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، فالله سبحانه مسبب الأسباب، ونحن أسباب في هذه الدنيا لنكون أصحاب أثر قائم على الحق والعدل والمساواة، فهكذا فقط تستقيم الحياة، ويظل الأثر المتروك شاهداً لنا لا علينا، ممتداً في دروب الخير.