في مساءٍ هادئ، كنت جالساً في البيت، وكوب الشاي الأحمر بين يديّ، يتصاعد منه بخارٌ خفيف كأنه خيطٌ أبيض يشق الهواء ويأخذني إلى زمنٍ أبسط. ذلك البخار كان يعيدني إلى حكايات الطفولة، إلى فناء البيت القديم، إلى تفاصيله الصغيرة التي كانت تعيش معنا، وإلى دجاجةٍ كانت تقف دائماً فوق جذع شجرة لتبدو أعلى من الجميع.
كانت تقف بثقةٍ عجيبة... لكن بلا ريش.
لا أحد يعرف متى سقط ريشها، لكنها كانت تتصرف وكأنها الديك الذي سيوقظ الحيّ بصوته الجميل. تقف في الأعلى، تصدر أصواتاً حادة، وتظن أن المكان يدار من فوق الجذع. يومها لم أفهم المشهد جيداً، لكن مع ازدحام التجارب، واستعادة قصص مؤسسات حول العالم، عرفت أن تلك الدجاجة لم تكن مجرد حكاية بيت... بل قصة إدارة.
كثير من تقارير الجهات الرقابية العالمية، من بريطانيا إلى كندا وأمريكا، تشير إلى أن تعثر المشاريع التقنية لا يعود غالباً إلى الشركة المنفذة وحدها، بل إلى غياب ملكية واضحة على مستوى القيادة، وضعف الحوكمة، وأدوار غير محددة، وقرارات إطلاق رغم عدم الجاهزية. المشكلة تتكرر حتى صارت نمطاً مألوفاً في تقارير الفشل التقني: تفاؤل إداري زائد، وضبط ضعيف، وقيادة تتجنب اتخاذ قرارات حاسمة في الوقت المناسب.
في الأدبيات الإدارية، لهذه الظاهرة اسم واضح. هي قيادة تقنية تحتفظ بالمنصب، لكنها تتخلى عن القرار التنفيذي الحقيقي. تلقي العبء على المستخدمين وقطاعاتٍ أخرى، أو على الشركة المنفذة، ثم تتحول إلى منصة نقد عند التعثر. وهذا يُعد خللاً في توزيع حقوق القرار، وغياب مالك تنفيذي واضح للمشروع، وإدارة عقود ضعيفة، وثقافة لوم بدل ثقافة قيادة.
المفارقة أن بعض الإدارات تتعامل مع المورد وكأنه شماعة جاهزة. فإذا تعطل النظام قيل: "الشركة أخطأت”. وإذا تأخر المشروع سنوات قيل: "المورد لم يكن بالمستوى”. بينما الحقيقة التي تؤكدها التقارير الدولية واضحة: لا يمكن للحكومة أو المؤسسة أن "تصدّر” المسؤولية للمورد. مهما كان العقد محكماً، الجهة المالكة ستُحاسَب في النهاية. فالعقد لا ينقل المساءلة، بل ينظم العلاقة فقط.
ومع تصاعد بخار الشاي، بقيت صورة ذلك البيت القديم حاضرة في ذهني. كان الحوش أحياناً يحتاج إلى ترتيب بعد أن تعبث به الحيوانات والدجاج. يُكلَّف أحدهم بالإشراف، فيقف في منتصف الحوش، يشير إلى هذا الركن، وينتقد ذاك الترتيب، ويرفع صوته أحياناً ليؤكد أنه "المسؤول”. لكنه لا ينحني ليلتقط شيئاً، ولا يبدأ بزاوية، ولا يحسم قراراً. وفي المساء، إذا بقيت الفوضى، كان اللوم جاهزاً: "لم تُنجزوا كما ينبغي”.
المشكلة لم تكن في الحوش... بل في أن من وقف فوقه لم يمارس القيادة فعلاً. فالوقوف في الأعلى لا يعني أنك تقود... والعلو لا يعوّض غياب القرار.
وهكذا تماماً تنشأ أزمة قيادة تقنية حين تتحول من قائد قرار إلى مراقب ينتقد الآخرين دون أن يتحمل المسار. وحينها تعود صورة الدجاجة فوق الجذع، ترفع رأسها عالياً، بلا ريش، تظن أن العلو يعني القيادة.
وهنا تأتي قوة الاستعارة. الريش الحقيقي في التقنية ليس صياحاً، ولا ادعاء خبرة. الريش هو القرار، المساءلة، الشفافية، القدرة التنفيذية، والجرأة على قول "نعم” أو "لا” في الوقت المناسب. أما الصوت العالي ورمي اللوم، فهما ضجيج بلا أثر.
هذه ليست قصة مؤسسة بعينها، ولا حكاية مكان محدد، بل نقلٌ لتجارب تكررت عالمياً. ولعل أجمل ما في التجارب أنها وُجدت لنتعلم منها قبل أن نقع فيها. فالتقنية ليست مجرد أنظمة وشاشات، بل قيادة إنسانية تتحمل مسؤوليتها. حتى لا نصحو يوماً على مشروعٍ متعثر، ودجاجةٍ بلا ريش، تصيح في فراغ.
* خبير تقني