عثمان عادل العباسي
عثمان عادل العباسي
عدتُ من العمل وفي رأسي قائمة طويلة من الأشياء المؤجلة، لا تحتاج إلى بطولة، فقط إلى كوب شاي هادئ وكرسي قريب من النافذة وبعض الصمت. وضعت الهاتف على الطاولة كما نضع مفتاح السيارة، ثم قلت لنفسي: خمس دقائق فقط أتابع ما فاتني، ثم أرتاح. لكننا نعرف هذه الخمس دقائق جيداً؛ تبدأ بإشعار صغير، وتنتهي بنا ونحن نطارد عشرات الأخبار والمقاطع...
عثمان عادل العباسي في الأيام التي تهدأ فيها المنطقة قليلاً، لا نصدق الهدوء من أول مرة. نحتاج أن نسمعه مرتين. بعد ليالٍ ثقيلة كانت الأخبار فيها أعلى من النوم، والسماء أقرب إلى القلق منها إلى الطمأنينة، جاءت الهدنة كأنها استراحة قصيرة لا نهايةً كاملة. توقفت الأصوات التي كانت تقلق البيوت، وعادت الأعمال تدريجياً إلى نسقها الطبيعي،...
جلستُ مع كوب الشاي كعادتي، أراقب البخار وهو يصعد بهدوء، كأنه آخر شيء في هذا العالم مازال يتصرّف على سجيّته. على الطاولة، كان الهاتف يقوم بدوره المعتاد في تعكير صفو المشهد: مقطع فيديو، ثم خبر، ثم شخص من أحد المواقع الإخبارية يشرح لك بثقة كاملة أن الحقيقة عنده وحده، وكأن بقية البشر مجرد لجنة استماع. في دقائق قليلة، يصبح الشاي أكثر...
في هذه الفترة، صارت الحياة أهدأ في الخارج.. وأسرع داخل البيت. كل شيء يجري من المكان نفسه؛ العمل، الدراسة، وحتى متابعة الأخبار التي لا تنتهي. جلست كعادتي مع كوب الشاي، أحاول أن أختطف لحظة هدوء وسط هذا المشهد المنظّم بشكل فوضوي. الأب يعمل من زاوية، والأبناء يتنقلون بين حصصهم، والإنترنت يؤدي دور البطولة... أو يختفي فجأة ليذكّرنا بأنه...
عثمان عادل العباسي في هذه الأيام، صار الهاتف في جيب كل واحد منا أشبه بعدسة صحفي صغير لا يهدأ. يكفي أن يهتز البيت قليلاً، أو يمر صوت انفجار بعيد، حتى تمتد اليد تلقائياً إلى الهاتف، وكأنها حركة غريزية: “خلنا نصوّر”. نريد أن نري العالم ما يحدث، أو ربما نريد فقط أن نطمئن أنفسنا بأننا نرى الحدث بأعيننا. لكن الحقيقة التي لا يحب أحد أن...
عثمان عادل العباسي في صباح السبت الماضي، في يوم رمضاني جميل، والجو ما زال فيه شيء من برودة محببة قبل أن يغادرنا هذا اللطف، خرجت من البيت وأنا في مزاج نادر: هدوء، بلا تصفح، بلا أخبار، وبلا إضاعة وقت في ذلك العالم الرقمي الذي لا يشبع. قلت: اليوم أعيش الصباح كما هو. كان ينقصه فقط كوب شاي، لكن الصيام له رأي آخر، فاكتفيت بأن أرتشف الجو. ...
عثمان عادل العباسيفي إحدى الإجازات، جلستُ مع أبنائي في صالة البيت، وقد أعلنتُ – بقرار أبوي تاريخي – السماح باستخدام أجهزة الجيمينج “لفترة مفتوحة نسبياً”، وهي عبارة فضفاضة تعني: إلى أن ينفد صبري أو ينفد الشاي. جلسوا متقابلين، تتعالى أصوات الحماس، هذا يخطط لهجوم ذكي، وذاك ينسّق دفاعاً محكماً، وأنا أراقبهم بابتسامة من يعرف أن...
في مساءٍ هادئ، كنت جالساً في البيت، وكوب الشاي الأحمر بين يديّ، يتصاعد منه بخارٌ خفيف كأنه خيطٌ أبيض يشق الهواء ويأخذني إلى زمنٍ أبسط. ذلك البخار كان يعيدني إلى حكايات الطفولة، إلى فناء البيت القديم، إلى تفاصيله الصغيرة التي كانت تعيش معنا، وإلى دجاجةٍ كانت تقف دائماً فوق جذع شجرة لتبدو أعلى من الجميع. كانت تقف بثقةٍ عجيبة... لكن...
وأنا أخرج صباحاً إلى فُرضة المحرّق، وكوب الشاي بيدي، لا أفكّر كثيراً. البحر ساكن، والقوارب تمر وتبعثر سكونه، تاركة أثرها على سطح الماء ثم تختفي، كزفير طويل بعد انتظار. البرد لطيف، يشبه برودة الوداع؛ تلك التي ترافق لحظة التردّد عند الباب. أرتشف الشاي على مهل، والمنامة أمامي، وألاحظ كم أن بعض الأشياء تتحرك بهدوء.. وبعضها الآخر لا...
في هذه الأيام الباردة نسبياً، حين تتسلل نسمات خفيفة إلى بيوت البحرين، ونجد لأنفسنا عذراً إضافياً لصب كوب شاي ثقيل يدفئ الكف قبل القلب، يبدو الحديث عن التبريد وكأنه خارج السياق. المكيفات صامتة، والفاتورة نائمة، والكمبريسور في إجازة غير مدفوعة الأجر. لكن البحريني، بخبرة السنين، يعرف أن هذا الهدوء مؤقت، وأن الصيف لا ينسى طريقه...
في مثل هالأجواء، الناس تمرض أكثر.. أو «تحب» تمرض أكثر. فجأة المستشفيات تمتلئ، والعيادات تزدهر، وكأن نزلات البرد موسمية مثل الرطب. والسبب؟ مو دايماً فيروس عنيد، أحياناً امتحان صعب، أو دوام ثقيل، أو مدير ما يعرف معنى «الجو بارد خلّونا نخفف شوي». هنا تبدأ رحلة البحث عن العذر الطبي.. ذاك الكنز الورقي الصغير اللي يمنحك يوم راحة رسمي....
في صباح شتوي من شتاءات البحرين التي تعرف كيف تطرق أبواب القلب، أخذت أبنائي في نزهة قصيرة، لا إلى مجمع تجاري ولا وجهة حديثة، بل إلى شيء من الذاكرة. قلت لهم: دعونا نُعيد طعماً كان في أيامنا طبيعياً، وأصبح اليوم أقرب للحنين منه إلى الأكل. قصدنا محل «حلويات قمبر» في الحالة، المحل الذي باتت واجهته تحمل عدة صور فقط، لكنها كافية لتُشير...