عثمان عادل العباسي
عثمان عادل العباسي
عثمان عادل العباسيفي إحدى الإجازات، جلستُ مع أبنائي في صالة البيت، وقد أعلنتُ – بقرار أبوي تاريخي – السماح باستخدام أجهزة الجيمينج “لفترة مفتوحة نسبياً”، وهي عبارة فضفاضة تعني: إلى أن ينفد صبري أو ينفد الشاي. جلسوا متقابلين، تتعالى أصوات الحماس، هذا يخطط لهجوم ذكي، وذاك ينسّق دفاعاً محكماً، وأنا أراقبهم بابتسامة من يعرف أن...
في مساءٍ هادئ، كنت جالساً في البيت، وكوب الشاي الأحمر بين يديّ، يتصاعد منه بخارٌ خفيف كأنه خيطٌ أبيض يشق الهواء ويأخذني إلى زمنٍ أبسط. ذلك البخار كان يعيدني إلى حكايات الطفولة، إلى فناء البيت القديم، إلى تفاصيله الصغيرة التي كانت تعيش معنا، وإلى دجاجةٍ كانت تقف دائماً فوق جذع شجرة لتبدو أعلى من الجميع. كانت تقف بثقةٍ عجيبة... لكن...
وأنا أخرج صباحاً إلى فُرضة المحرّق، وكوب الشاي بيدي، لا أفكّر كثيراً. البحر ساكن، والقوارب تمر وتبعثر سكونه، تاركة أثرها على سطح الماء ثم تختفي، كزفير طويل بعد انتظار. البرد لطيف، يشبه برودة الوداع؛ تلك التي ترافق لحظة التردّد عند الباب. أرتشف الشاي على مهل، والمنامة أمامي، وألاحظ كم أن بعض الأشياء تتحرك بهدوء.. وبعضها الآخر لا...
في هذه الأيام الباردة نسبياً، حين تتسلل نسمات خفيفة إلى بيوت البحرين، ونجد لأنفسنا عذراً إضافياً لصب كوب شاي ثقيل يدفئ الكف قبل القلب، يبدو الحديث عن التبريد وكأنه خارج السياق. المكيفات صامتة، والفاتورة نائمة، والكمبريسور في إجازة غير مدفوعة الأجر. لكن البحريني، بخبرة السنين، يعرف أن هذا الهدوء مؤقت، وأن الصيف لا ينسى طريقه...
في مثل هالأجواء، الناس تمرض أكثر.. أو «تحب» تمرض أكثر. فجأة المستشفيات تمتلئ، والعيادات تزدهر، وكأن نزلات البرد موسمية مثل الرطب. والسبب؟ مو دايماً فيروس عنيد، أحياناً امتحان صعب، أو دوام ثقيل، أو مدير ما يعرف معنى «الجو بارد خلّونا نخفف شوي». هنا تبدأ رحلة البحث عن العذر الطبي.. ذاك الكنز الورقي الصغير اللي يمنحك يوم راحة رسمي....
في صباح شتوي من شتاءات البحرين التي تعرف كيف تطرق أبواب القلب، أخذت أبنائي في نزهة قصيرة، لا إلى مجمع تجاري ولا وجهة حديثة، بل إلى شيء من الذاكرة. قلت لهم: دعونا نُعيد طعماً كان في أيامنا طبيعياً، وأصبح اليوم أقرب للحنين منه إلى الأكل. قصدنا محل «حلويات قمبر» في الحالة، المحل الذي باتت واجهته تحمل عدة صور فقط، لكنها كافية لتُشير...
قبل أن تكتمل الشمس، للصباح في المحرق طعم لا يشبه غيره. برودة خفيفة تلامس الوجه، وهواء محمّل بملح البحر، وكوب كرك من ملك الكرك يرسل بخاره كأنّه رسالة هادئة تقول: تمهّل. أصل إلى فرضة المحرق، أنزل من السيارة، ألفّ الغترة حول رأسي، وأجلس على كرسي حجري، أراقب البحر وهو يستيقظ بهدوء. مباني المنامة من بعيد تبدو نصف واضحة، يلفّها الضباب،...
في ليلة باردة من ليالي الخميس، أول يناير، ومع بداية سنة جديدة، كان الجو يلوّن الأثواب قبل أن يلوّن الوجوه. بردٌ خفيف يوقظ الحنين أكثر مما يقرص اليدين. في تلك الليلة، كان حفل عقد قران أخي عبدالله، وكانت أفراح العباسي والمطوع تحتضنها مجلس بيت العود في المنامة، ذلك المكان الذي لا يحتاج إلى تعريف، لأن جدرانه وأبوابه الخشبية شهدت...
تستمر هذه الأيام الجميلة الباردة التي تكسو البحرين بشتاءٍ خفيفٍ محبّب، شتاء لا يقرص العظم بقدر ما يوقظ الذكريات. ومع تزامن احتفاليات ليالي المحرق، وهي تنير دواعيس المحرق في ظلمة الليل، تشعر وكأن المدينة القديمة قررت أن تفتح ألبوم صورها وتدعونا للدخول صفحة صفحة، بلا استعجال. في إحدى هذه الليالي، كان لي موعد مع أحد أولئك الذين...
في هذه الأيام التي تغيّر فيها الجو فجأة، ومع أمطار متواصلة غيّرت مزاج النهار، قررت الخروج مع أبنائي في منتصف الظهيرة. الغيوم غطّت السماء، والحرارة انخفضت، وكأن الجو يقدّم اعتذاراً متأخراً عن صيف طويل. فخرجنا نمشي في المحرق، على مقربة من طريق اللؤلؤ، حيث تعيد ليالي المحرق ترتيب العلاقة بين الناس والمكان. كنا نمشي بهدوء، وأحكي...
في إحدى ليالي المحرّق، حين يلين الهواء وتخفت الضوضاء، من السهل أن نتخيّل مشهداً بسيطاً لكنه محيّر؛ رجلٌ أجنبي يسير في دواعيس ضيقة بثبات، ينعطف بثقة، ويتجاوز الإشارات كأنه يعرف المكان منذ الطفولة. لا يسأل، لا يتوقف، ولا يرفع هاتفاً ليتأكد. فقط نظارة على وجهه، وهدوء يشبه هدوء من يعرف طريقه. عندها يطلّ سؤال قديم بثوب جديد: هل أصبحت...
عثمان عادل العباسي وأنا أمسك كوب الشاي الساخن في صباح هذه الأيام الدافئة بنسمة براد خفيفة، أعبر جسر المحرق نحو المنامة فأرى البنايات مموّهة بضباب ورطوبة خفيفة كأنها لقطة لندنّية بنكهة بحرينية. السيارات تتحرك ببطء معتاد، والهواء الخفيف يوقظك بلا مبالغة. وفي وسط هذا المشهد اليومي، خطر لي سؤال بسيط: لماذا نتجه جميعاً كل صباح إلى...