عثمان عادل العباسي
عثمان عادل العباسي
بعض الأخبار لا تكتفي بأن تخبرك بما حدث؛ تفتح باباً قديماً في الذاكرة. وحين وصلني خبر رحيل الوجيه غلام رضا حسين نامليتي، زوج خالتي، لم يكن الخبر مجرد سطر على شاشة الهاتف؛ فقد أعاد إليّ أصواتاً أعرفها: قالب ثلج يُسحب من الماء المتجمّد، وصرير الحديد، وضجيج آلات المصنع. وفي لحظة، عدت إلى صيف الحورة. أنا ابن المحرق، من فريج البنعلي،...
يبدو أن التنين الصيني اكتشف طريقة مضمونة لإيقاظ الأمريكيين: كلما نفخ نفخةً من نار الذكاء الاصطناعي، نهضت واشنطن ووادي السيليكون وكأن الشرارة وصلت إلى طرف السجادة. المشهد ليس جديداً. قبل فترة كانت النفخة تحمل اسم DeepSeek (ديب سيك)، واليوم جاء الدور على Kimi K3 (K3 كيمي)، من شركة Moonshot AI (مون شوت إيه آي). وكيمي، للإنصاف، لم يهزم النماذج...
في زمنٍ أصبحت فيه الشاشة أسرع من أسئلتنا، وبات الذكاء الاصطناعي قادراً على اقتراح الحل قبل أن نكمل المشكلة، جاءت «قدها جونيور» لتذكّرنا بأن بعض المهارات لا تُحمّل من تطبيق، ولا تُختصر في إجابة جاهزة.أكتب عن التجربة هذه المرة بصفتي أباً شارك أبناؤه فيها. و من قرب، كنت أرى حجم الجهد في التجهيز، وتنظيم الميادين، وتنوع الأنشطة،...
في البحرين، هناك أحداث لا تحتاج إلى ضجيج حتى تكبر في الذاكرة. تبدأ برسالة قصيرة في الهاتف، أو دعوة عائلية تحمل عبارة مألوفة: «حياكم البيت العود». ومن يعرف هذا الاسم يعرف أنه لا يدل على مكان فقط، بل على معنى؛ بيت له هيبة، ومجلس له ذاكرة، ووجوه إذا اجتمعت شعرت أن السالفة أكبر من مناسبة عابرة. في الأيام الماضية، شهدت البحرين مشهداً...
مع انتهاء أيام عيد الأضحى المبارك، يبدأ كثير من الحجاج في ترتيب رحلة العودة إلى أوطانهم، بينما يمدّ بعضهم إقامته أياماً أخرى، قاصداً المدينة المنورة للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأن رحلة الحج لا تريد أن تنتهي سريعاً. وفي هذه اللحظات، بين حقائب تُغلق، وحافلات تتحرك، ومطارات تستعد لاستقبال أفواج العائدين، يبقى...
فتحت هاتفي في ساعة لا أذكرها تماماً؛ ربما صباحاً لم يكتمل، أو مساءً بدأ يهدأ، أو لحظة انتظار قصيرة سرقها الهاتف مني كما يسرق الطفل قطعة حلوى من جيبه. كان كوب الشاي بجانبي، لا أمد يدي إليه بسرعة كما أفعل كل مرة، كأنه هو الآخر صار ينتظر أن أرفع عيني من الشاشة ليقول لي: أنا هنا أيضاً، وفيّ دفء لا يحتاج إلى شاحن ولا كلمة مرور. بين مقطع...
عدتُ من العمل وفي رأسي قائمة طويلة من الأشياء المؤجلة، لا تحتاج إلى بطولة، فقط إلى كوب شاي هادئ وكرسي قريب من النافذة وبعض الصمت. وضعت الهاتف على الطاولة كما نضع مفتاح السيارة، ثم قلت لنفسي: خمس دقائق فقط أتابع ما فاتني، ثم أرتاح. لكننا نعرف هذه الخمس دقائق جيداً؛ تبدأ بإشعار صغير، وتنتهي بنا ونحن نطارد عشرات الأخبار والمقاطع...
عثمان عادل العباسي في الأيام التي تهدأ فيها المنطقة قليلاً، لا نصدق الهدوء من أول مرة. نحتاج أن نسمعه مرتين. بعد ليالٍ ثقيلة كانت الأخبار فيها أعلى من النوم، والسماء أقرب إلى القلق منها إلى الطمأنينة، جاءت الهدنة كأنها استراحة قصيرة لا نهايةً كاملة. توقفت الأصوات التي كانت تقلق البيوت، وعادت الأعمال تدريجياً إلى نسقها الطبيعي،...
جلستُ مع كوب الشاي كعادتي، أراقب البخار وهو يصعد بهدوء، كأنه آخر شيء في هذا العالم مازال يتصرّف على سجيّته. على الطاولة، كان الهاتف يقوم بدوره المعتاد في تعكير صفو المشهد: مقطع فيديو، ثم خبر، ثم شخص من أحد المواقع الإخبارية يشرح لك بثقة كاملة أن الحقيقة عنده وحده، وكأن بقية البشر مجرد لجنة استماع. في دقائق قليلة، يصبح الشاي أكثر...
في هذه الفترة، صارت الحياة أهدأ في الخارج.. وأسرع داخل البيت. كل شيء يجري من المكان نفسه؛ العمل، الدراسة، وحتى متابعة الأخبار التي لا تنتهي. جلست كعادتي مع كوب الشاي، أحاول أن أختطف لحظة هدوء وسط هذا المشهد المنظّم بشكل فوضوي. الأب يعمل من زاوية، والأبناء يتنقلون بين حصصهم، والإنترنت يؤدي دور البطولة... أو يختفي فجأة ليذكّرنا بأنه...
عثمان عادل العباسي في هذه الأيام، صار الهاتف في جيب كل واحد منا أشبه بعدسة صحفي صغير لا يهدأ. يكفي أن يهتز البيت قليلاً، أو يمر صوت انفجار بعيد، حتى تمتد اليد تلقائياً إلى الهاتف، وكأنها حركة غريزية: “خلنا نصوّر”. نريد أن نري العالم ما يحدث، أو ربما نريد فقط أن نطمئن أنفسنا بأننا نرى الحدث بأعيننا. لكن الحقيقة التي لا يحب أحد أن...
عثمان عادل العباسي في صباح السبت الماضي، في يوم رمضاني جميل، والجو ما زال فيه شيء من برودة محببة قبل أن يغادرنا هذا اللطف، خرجت من البيت وأنا في مزاج نادر: هدوء، بلا تصفح، بلا أخبار، وبلا إضاعة وقت في ذلك العالم الرقمي الذي لا يشبع. قلت: اليوم أعيش الصباح كما هو. كان ينقصه فقط كوب شاي، لكن الصيام له رأي آخر، فاكتفيت بأن أرتشف الجو. ...