من تأمل إبراهيم في السماء إلى دعوة أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون كل منهم أمة في ميدانه.

- أول رحلة عقلية في السماء:

في ليلة لا يعلم تاريخها إلا الله، وقف فتىً يُقلّب بصره في السماء، لا من فراغ ولا من فضول عابر، بل كان يبحث عن الله. نظر إلى كوكب يسطع فقال: "هذا ربي"، فلما أفل قال: "لا أحب الآفلين". ثم رأى القمر بازغاً فقال: "هذا ربي"، فلما غاب قال: "لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين". ثم طلعت الشمس أكبرها وأضخمها فظنّها الجواب، فلما أفلت قال: "إني بريء مما تشركون". هذا الفتى هو إبراهيم عليه السلام، وهذه الرحلة العقلية الموثقة في سورة الأنعام هي أول بحث منهجي في تاريخ البشرية عن الحقيقة الإلهية عبر تأمل ظواهر الكون واستنتاج ما لا تراه العين المجردة.

- منطق التغير دليل على الثبات.. ومعنى "كان أمة":

ما يميز إبراهيم عليه السلام ليس مجرد النظر إلى السماء، فالبشر نظروا إليها قبله وبعده. ما يميزه هو المنهج: لم يكتفِ بمشاهدة الظاهرة بل تأملها واستنتج منها. أدرك عقله أن ما يتغير ويأفل لا يصلح إلهاً، لأن الإله الحق ثابت لا يتغير ولا يغيب. لم يعلمه أحد هذا المنهج، ولم يتلقَّ وحياً في تلك اللحظة، بل كان عقله الخالص وحده يعمل. ولذلك قال الله تعالى في حقه: "إن إبراهيم كان أمة". والأمة في لغة العرب هي التشابه في السلوك، كما قال تعالى عن الطيور: "أمم أمثالكم". فإبراهيم وحده كان يُساوي في منهجه وخصاله أمة بأكملها، لأن الفرق بين من هو أمة وبين غيره ليس فيما يرى بل في كيف يرى.

- الشمس والقمر في خدمة أركان الإسلام كلها:

في حكمة إلهية بالغة الدقة، الأجرام التي رفضها إبراهيم آلهةً جعلها الله خدّاماً لعبادة الإله الحق. فالشمس التي قال عنها إبراهيم "إني بريء مما تشركون" حين أفلت، صارت الساعة الكونية لمواقيت الصلاة الخمس، إذ يتحدد الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء بحركتها. والقمر الذي رفض ألوهيته حين غاب، صار ميقاتاً لأعظم شعائر الإسلام: فصيام رمضان لا يبدأ إلا برؤية هلاله، وعيد الفطر لا يُعلَن إلا برؤية هلال شوال، ووقوف عرفة لا يُحدَّد إلا بهلال ذي الحجة لركن الحج. أما ركن الزكاة فيشترط له الفقهاء "الحول"، أي دورة الأرض الكاملة حول الشمس. يقول الله تعالى: "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج". ما رفضه إبراهيم دليلاً على الله صار وسيلة للتقرب إليه.

- "من" في السماوات.. سؤال الكون الأكبر:

التأمل الذي بدأه إبراهيم في سماء واحدة يفتح اليوم أفقاً أوسع مما تصوّره علم الفلك القديم. يقول الله تعالى: "وله من في السماوات والأرض"، وفي العربية تُستخدم "من" للمخلوق العاقل صاحب الإرادة والاختيار. والملائكة وإن كانت عاقلة إلا أنها مأمورة لا تعصي، كما قال تعالى: "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"، فهي لا تملك إرادة مستقلة. فمن هم إذن أصحاب الإرادة والعقل في السماوات؟ القرآن لم ينفِ وجودهم بل استخدم صيغة تستلزم وجود عاقل مختار. وعلوم الفضاء الحديثة تبحث اليوم في مئات المجرات والمجموعات الشمسية عن حياة عاقلة، وكأن سؤال إبراهيم الذي بدأ بكوكب واحد امتد ليشمل الكون اللامتناهي.

- من لاحظ الظاهرة وحده فأفاد البشرية:

عبر التاريخ كثير من الناس عاشوا ظواهر الكون ورأوها لكنهم مروا بها مرور الكرام. وفي كل عصر كان هناك من هو "أمة"، يلاحظ ما أغفله غيره ويتأمل ما تجاوزه سواه فيستنتج منه ما يفيد البشرية.

في الفيزياء، رأى إسحاق نيوتن التفاحة تسقط فلم يمر بها كما مر غيره، بل تأملها حتى استنتج قانون الجاذبية الذي أسس الفيزياء الحديثة. وألبرت أينشتاين لاحظ ظاهرة سلوك الضوء فصاغ نظرية النسبية التي غيّرت فهم الكون. في الطب، لاحظ ألكسندر فلمينغ العفن يقتل البكتيريا في طبق نسيه، فبدلاً من أن يرميه تأمّله واستنتج البنسلين الذي أنقذ مئات الملايين من الأرواح. ولويس باستور لاحظ أن الحرارة تقتل الجراثيم فأسس علم التعقيم وثورة الطب الحديث. في الفلك، لاحظ كوبرنيكوس حركة الكواكب فاستنتج أن الأرض تدور حول الشمس. وهابل لاحظ أن المجرات تتباعد فاكتشف أن الكون يتمدد. في الكيمياء، لاحظ مندليف تكرار خصائص العناصر فصاغ الجدول الدوري الذي ينظم كل عناصر الكون. ومن علماء الحضارة الإسلامية، لاحظ ابن الهيثم ظاهرة انعكاس الضوء فأسس علم البصريات وأثبت أن العين تستقبل الضوء ولا تصدره. والبيروني رصد الكواكب وحسب محيط الأرض بدقة مذهلة قبل قرون من الآلات الحديثة. وهؤلاء جميعاً هم من تمنحهم جوائز نوبل اليوم تقديراً لتأملهم في ظاهرة رآها كثيرون لكنهم وحدهم توقفوا عندها وأفادوا البشرية منها.

- لحظة الذروة.. دعوة أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون كل منهم أمة:

الشركات الكبرى تنفق الملايين لتحجز إعلاناتها في لحظة الذروة حين يكثر المشاهدون وتكون الأبصار والقلوب في أوج انتباهها. وموسم تحري الهلال هو لحظة الذروة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بأسرها، حين تنتظر في آنٍ واحد بداية رمضان وعيد الفطر وذي الحجة. الله سبحانه وتعالى اختار هذه اللحظة بالذات ليوجه أمة محمد صلى الله عليه وسلم كلها في أوج انتباهها نحو السماء، لا لمجرد تحديد بداية شهر، بل ليُجدد فيها دعوة إبراهيم: ارفعوا أبصاركم إلى الكون وتأملوا ظواهره وادرسوها واستنتجوا منها ما يفيد البشرية. تحري الهلال ليس مجرد فريضة دينية موسمية، بل هو إعلان سنوي متكرر بأن هذه الأمة أمة علم وتأمل واستنتاج. وحين يفهم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى العميق، يدرك كل منهم أن الله يدعوه في كل موسم تحرٍّ أن يكون هو الآخر أمة في ميدانه، سواء كان طبيباً أو مهندساً أو فيزيائياً أو مزارعاً، فيلاحظ الظواهر ولا يمر بها، ويتأمل ولا يكتفي بالرؤية، ويستنتج ما يفيد إخوانه في الإنسانية، سائراً على خطى أبي الأنبياء الذي رفع بصره إلى السماء وحيداً فأضاء للبشرية طريق التوحيد والعقل معاً.