عبدالله صويلح

- لسنا في زمنٍ يعاني من قلة الفرص، بل في زمنٍ يضجّ بالخيارات حتى ضاعت البوصلة. الجميع يركض، والجميع يطمح، والجميع يظن أن الكنز هناك.. بعيداً، خلف وظيفةٍ أعلى، أو منصبٍ أكبر، أو شهرةٍ أوسع. غير أن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الكنز ليس في نهاية الطريق، بل في طريقة السير فيه.

- الكنز المفقود ليس ذهباً مدفوناً، ولا سراً غامضاً، بل قيمة الإنسان حين يعرف نفسه جيداً. حين يدرك ماذا يريد، ولماذا يريد، وكيف يصل دون أن يخسر ذاته في الطريق. المشكلة لا تكمن في الطموح، بل في أن يتحول الطموح إلى سباقٍ أعمى، يلهث فيه المرء خلف كل شيء، حتى يفقد الإحساس بما يملكه فعلاً، ونرى اليوم من يقيس نجاحه بعدد الإنجازات الظاهرة، لا بعمق الرضا الداخلي. يبدّل أهدافه بتبدل آراء الناس، ويعيد رسم أحلامه بحسب التصفيق من حوله. فإن صفقوا استمر، وإن صمتوا تراجع. وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية؛ لأن من يربط قيمته برأي الآخرين، يعيش أسيراً لتقلباتهم. وهذا هو الفقد بعينه.

- الكنز الحقيقي هو الطمأنينة، أن تعمل وتجتهد وتطمح، ولكن دون أن تُرهق روحك بالمقارنات. أن تنجح دون أن تتكبر، وأن تتعثر دون أن تنهار. أن تعرف أن لكل إنسان مساره المختلف، وأن التأخر في طريقك لا يعني أنك في الاتجاه الخطأ. فبعض الطرق الطويلة تقود إلى أثمن النتائج، وفي محيطنا اليومي، نرى نماذج كثيرة لأشخاص امتلكوا كل ما يُحسدون عليه، لكنهم يفتقدون السكينة. المال حاضر، والاسم معروف، والصورة مكتملة... إلا أن الداخل مضطرب. لأن الكنز الذي لم يُبنَ على أساس متين من القيم والثقة والرضا، يظل هشاً مهما بدا صلباً.

- كما أن هناك من يعيش حياة بسيطة، لكن قلبه مطمئن. يعرف حدوده، ويطور قدراته، ويتقبل نقصه قبل كماله. هذا النوع من البشر ربما لا يتصدر العناوين، لكنه يمتلك ما هو أثمن من الواجهة؛ يمتلك راحة الضمير وصفاء النفس. وهذا هو الغنى الذي لا يُشترى، الكنز المفقود إذن هو الاتزان. أن تعيش بين الطموح والقناعة، بين السعي والرضا، بين الحلم والواقعية. فلا تكون أسيراً لما فات، ولا قلقاً مما سيأتي، بل حاضراً فيما تعيشه الآن. لأن اللحظة التي تُهملها بحثاً عن مستقبل مثالي، قد تكون هي أجمل ما في حياتك.

- وفي الختام، ربما آن الأوان أن نتوقف قليلاً، لا لنسأل: ماذا نملك؟ بل لنسأل: ماذا فقدنا ونحن نملك؟ فإن اكتشفنا أننا فقدنا أنفسنا، فلن يُغنينا شيء. وإن وجدنا أنفسنا، فلن يضرنا ما فات. فالكنز ليس في كثرة ما بين أيدينا، بل في سلام ما بين أضلعنا.