لم تكن الحروب في التاريخ مجرد دمار وخسائر، بل كانت في أحيان كثيرة محطات إعادة رسم للخرائط الاستراتيجية وإعادة توزيع لموازين القوى. والحرب الحالية ليست استثناءً من هذه القاعدة، إذ كشفت بجلاء عن مشكلة تتمثل في اعتماد صادراتنا النفطية والغازية اعتماداً شبه كلي على مضيق هرمز، ذلك الممر الذي يتحول في كل أزمة إلى ورقة ضغط بيد الخصم تُربك أسواق الطاقة وترفع أقساط التأمين وتضخ في أسعار النفط قسطاً جيوسياسياً لا صلة له بمنطق العرض والطلب.

لكن المشكلة حين تكتشف يمكن حلها، والأزمة حين تبلغ ذروتها تفتح نوافذ الحل. المكسب الاستراتيجي الأبرز الذي يجب أن تُفرزه هذه الحرب هو القرار الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي ببناء شبكة أنابيب متكاملة تربط حقول وموانئ الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان بنقطة تجميع مشتركة في منطقة الجبيل، ثم ضخ هذا الإنتاج الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي عبر خط الشرق-الغرب السعودي المطوَّر نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر، ليُصدَّر منه النفط والمشتقات والغاز المُسال إلى أسواق العالم بعيداً عن أي مضيق أو نقطة اختناق إلى الأبد.

خط الشرق-الغرب يحمل اليوم سبعة ملايين برميل يومياً، فيما يتعلق بالسعودية، بينما يحتاج الإنتاج الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى طاقة تناهز عشرين مليون برميل يومياً. هنا تتجلى ضرورة توسعة الخط الحالي وإنشاء خطوط موازية جديدة، مع مدّ شبكة الأنابيب المغذية التي تصل كل دولة بنقطة التجميع الرئيسية. أما الغاز القطري المنبثق من أكبر حقل غاز في العالم، فلن يُنقل مُسالاً لأن ذلك مستحيل تقنياً، بل يُنقل غازاً طبيعياً عبر أنبوب ضغط عالٍ من حقل الشمال حتى ينبع، حيث يُعالَج ويُسال في مجمع إسالة ضخم مخصص لهذا الغرض، ثم يُشحن على ناقلات متخصصة نحو أوروبا وآسيا وأمريكا.

ينبع بهذا لا تعود مجرد ميناء نفط، بل تتحول إلى عاصمة طاقة دول مجلس التعاون الخليجي والعالم، تستقبل النفط والغاز خاماً وتصدّرهما مكررين ومُسالَين في منصة تصديرية متكاملة لا نظير لها.

المردود الاقتصادي ضخم بكل المقاييس، لكن المكسب الأعمق هو ما هو أبعد من الأرقام: دول مجلس التعاون الخليجي لن تضرر من «القوة القاهرة» في عقودها مع المستوردين، وستنخفض أقساط التأمين، وستتراجع حدة تأثير الجيوسياسة على أسعار النفط، وستتحول دول مجلس التعاون الخليجي إلى «مورد موثوق بمسارات متعددة» - وهو لقب يستحق وحده كل كلفة المشروع. الحرب الحالية أعادت رسم المشهد، فعلينا أن نجيد قراءة ما رسمته. ولعل المجلس الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي يتصدر قيادة هذا المشروع ويحوّله من فكرة إلى حجر أساس.