في هذه الأيام، صار الهاتف في جيب كل واحد منا أشبه بعدسة صحفي صغير لا يهدأ. يكفي أن يهتز البيت قليلاً، أو يمر صوت انفجار بعيد، حتى تمتد اليد تلقائياً إلى الهاتف، وكأنها حركة غريزية: "خلنا نصوّر”. نريد أن نري العالم ما يحدث، أو ربما نريد فقط أن نطمئن أنفسنا بأننا نرى الحدث بأعيننا.
لكن الحقيقة التي لا يحب أحد أن يسمعها.. أن تلك اللقطة البريئة قد تكون أحياناً أكثر خطورة من أي سلاح.الخبراء العسكريون يقولون شيئاً بسيطاً لكنه مرعب: الصورة التي تنشرها الآن قد تتحول بعد دقائق إلى معلومة استخباراتية في غرفة عمليات على بعد آلاف الكيلومترات. زاوية مبنى، لوحة شارع، ظل مئذنة، صوت صفارة إنذار في الخلفية... كل هذه تفاصيل تبدو عادية بالنسبة لنا، لكنها بالنسبة لمن يبحث عن هدف هي قطع من لغز كبير.
وهنا المفارقة المؤلمة: أنت كنت تقصد أن توثق الحدث، بينما هناك من يستعمله ليصوبه.
في عالم الحروب الحديثة لم تعد الأقمار الصناعية وحدها هي التي تراقب. أحياناً يكفي أن يفتح الخصم "تويتر” أو "تيك توك”. الناس تنشر، والخوارزميات تجمع، ومحللو الصور يربطون النقاط، ثم تتحول الصورة إلى إحداثيات تقريبية على الخريطة. هكذا ببساطة.
أحد الضباط الذين تحدثوا عن هذا النوع من التسريبات قال عبارة لافتة: «العدو لا يحتاج جاسوساً إذا كان الناس ينشرون كل شيء بأنفسهم».
ولذلك حين نسمع هذه الأيام نداءات متكررة: «لا تصوّر»، فهي ليست مبالغة ولا تضييقاً على أحد. هي ببساطة محاولة لإغلاق نافذة صغيرة قد يتحول منها الضوء إلى نار.
نحن في البحرين نعيش هذه الأيام لحظات مختلفة. أصوات القصف أحياناً تمر فوق رؤوس الناس وهم في الصلاة، أو أثناء قيام الليل، أو ربما في لحظة هدوء عند السحور. أحدهم يرفع يديه بالدعاء، وآخر يرفع هاتفه بالتصوير. المشهدان متجاوران، لكن بينهما فرق كبير.
الأول يطلب الحفظ.. والثاني قد يكشف المكان.
في ليلة من ليالي رمضان، كنت جالساً مع كوب شاي بعد الإفطار. عادة قديمة: الشاي يهدّئ الضجيج في الرأس، ويجعل الإنسان يفكر بهدوء. فكرت حينها في شيء بسيط: كم من صورة نلتقطها يومياً دون أن نسأل أنفسنا سؤالاً واحداً.. من قد يشاهدها غير أصدقائنا؟
في زمن التقنية، لم يعد الجمهور هو فقط من يراك. هناك أيضاً من يراقب، يحلل، ويجمع التفاصيل الصغيرة مثل من يجمع حبات الرمل.
ولهذا، ربما تكون الوطنية أحياناً في شيء بسيط جداً: أن تقاوم رغبة التصوير.
ليس لأن الحقيقة يجب أن تُخفى، بل لأن هناك وقتاً للحقيقة ووقتاً للصمت. وفي زمن التوتر، قد تكون الكاميرا المفتوحة.. ثغرة مفتوحة.
لا أحد يطلب منا بطولة خارقة. فقط شيئاً من الحكمة. أن نتذكر أن الهاتف الذي في جيبنا ليس مجرد وسيلة تواصل، بل قد يكون –دون قصد– جهاز بث مباشر لغرفة عمليات في مكان ما.
وفي هذه الأيام التي نعيشها، وسط القلق والدعاء، ربما أفضل صورة يمكن أن نحتفظ بها هي تلك التي تبقى في ذاكرتنا.. لا في الإنترنت؛ صورة لرجال في مكان ما يراقبون السماء بصمت، يرصدون ويحرسون هذا البلد.صورة بلدٍ صامد، وناسٍ يعرفون متى يتكلمون.. ومتى يكتفون برفع أكفهم إلى السماء، داعين الله أن يحفظ البحرين ويحفظ أوطان الخليج العربي وأهلها من كل شر.