لطالما آمنت مملكة البحرين، بقيادة جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، أن القوة الحقيقية لا تكمن في تصدير الفوضى أو إشعال فتيل الأزمات، بل في تلك الحكمة الرصينة التي تُلجم المعتدي، والسياسة القوية التي تحول «العدوان الغاشم» إلى ملاحقة قانونية دولية تُضيق الخناق على المحرضين والمخربين. وما شهدناه خلال الأيام القليلة الماضية في أروقة الأمم المتحدة لم يكن مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل هو انتصار استراتيجي شهد له العالم، يرسخ مكانة البحرين كدولة قانون ومؤسسات في مواجهة نظام لا يتقن إلا لغة التهديد والدمار، وهو تأكيد على أن حقوقنا الوطنية ليست محل مساومة أو نسيان.

إن صدور القرار الأممي رقم (2817) بتاريخ 11 مارس، والذي تقدمت به مملكة البحرين بكل شجاعة نيابة عن أشقائها، يمثل انعطافة كبرى في إدارة الصراع، فهذا القرار حوّل الإدانة السياسية إلى «مستند قانوني» دامغ يثبت مسؤولية النظام الإيراني عن كافة الأضرار والإصابات الناتجة عن هجماته العدائية الغاشمة. ويستند موقف المملكة في ذلك إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تقرّ بحق الدول الأصيل في الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس في حال وقوع اعتداء مسلح، وهو المبدأ الذي يشكل أحد الركائز الأساسية للنظام القانوني الدولي المعاصر، ويمنح البحرين غطاءً شرعياً كاملاً لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها وأمنها. والمرحلة القادمة تتطلب منا «استنفاراً وطنياً» شاملًا يتجاوز حدود العمل الدبلوماسي، ليشمل كافة مفاصل الدولة من وزارة الصحة والإعلام والمالية والهيئات المدنية، للبدء في توثيق دقيق وشامل لكافة الانتهاكات الإيرانية. إن هذا التوثيق للأضرار والخسائر البشرية والمادية لا يقتصر على الجانب الإعلامي أو الإنساني فحسب، بل يمثل خطوة قانونية أساسية لرفع مطالبات تعويض دولية استناداً إلى مبدأ «مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دولياً»، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي يفتح المجال لمساءلة الجهة المعتدية أمام المحاكم الدولية أو هيئات التحكيم. إن جمع الأدلة والبيانات الميدانية اليوم هو عنصر أساسي في إثبات المسؤولية القانونية وحفظ حقوق مواطنينا ومقيمينا الذين تضرروا من هذه الاعتداءات الغادرة.

إن البحرين اليوم، بفضل هذا الانتصار الدبلوماسي الذي تقوده وزارة الخارجية البحرينية، باتت تمتلك أرضية سياسية صلبة داخل المنظمات الدولية، يمكن البناء عليها لاحقاً في مجلس الأمن أو الهيئات الأممية المختصة لبحث إجراءات إضافية، سواء على مستوى الإدانة الرسمية أو فرض تدابير دولية رادعة. إننا لا ننشد إلا السلام، لكنه السلام الذي تضمنه القوة ويصونه القانون، والمنطقة اليوم أمام واقع جديد رسمته المنامة بحكمتها، وهو أن جيرة البحرين ليست حائطاً مائلاً، بل هي صخرة صلبة تتكسر عليها أطماع التوسع، وستبقى دبلوماسيتنا دائماً هي الدرع الذي يحمي المكتسبات، وقوة دفاعنا هي اليد التي تضرب من يجرؤ على المساس بأماننا واستقرارنا. حفظ الله مملكة البحرين وحفظ قائدها وشعبها من كل مكروه.