في الخامس من أكتوبر 2021، جلست فرانسيس هوغن، وهي موظفة سابقة في فيس بوك، أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، وأمامها مجموعة من الوثائق الداخلية التي حصلت عليها قبل مغادرتها الشركة، وسربتها بعد ذلك، لم تكن تلك الوثائق مجرد انطباعات؛ بل تضمّنت أبحاثاً داخلية تتعلق بمنصة إنستغرام، بيّنت أن استخدام المنصة يرفع عند بعض المستخدمين، لاسيما المراهقين منهم، مشاعر القلق وتراجع تقدير الذات، وذلك عندما يقارنون حياتهم بحياة من يشاهدونهم من "المؤثرين" على المنصة، والأشد أن الشركة كانت على علم بهذه المخاطر، ولم تتعامل معها بجدية، واللافت للنظر، أن الجميع لم يكن متفاجئاً عندما عرضت القضية.
لم يستغرب أحد من الأمر، ربما لأننا جميعاً، وقفنا في لحظة ما أمام شاشاتنا، وسألنا أنفسنا: لماذا حياة الآخرين رائعة، بينما حياتنا عادية؟! وهو سؤال لا يعبر عن نقص أو مشكلة نفسية، إنما هو استجابة طبيعية لوسائط تواصل اجتماعي صُمّمت لتظهر لنا النموذجي والأفضل، ثم تجعل من الأفضل معياراً لنا، وهذه في الواقع ليست سوى خدعة تنفذها الخوارزميات، لأنها لا تتعامل مع الواقع كما هو إنما تُبرز فقط ما يبدو أنه نجاح ويلمع، لذا فعندما نتصفح هذه المنصات كل يوم نجد أن أحد أصدقائنا قد ظهر وهو يُعلن عن مشروعه الناجح، وهو يجلس في مكتب أنيق، أو يطرح منشوره على لينكدن الذي يبدأ بـ"يسعدني الإعلان عن..." أو "فخور بعمل..." أو نرى جارنا وهو يلتقط صور سيلفي مع ناطحات السحاب في دولة ما وكأن تلك الدولة تقدم له رواتب مجزية مقابل التقاطه الصور، فنشعر نحن وكأن غيرنا يصعد إلى قمة النجاح بسلّم عريض ومفتوح خالٍ من العقبات والأزمات، لكن لم يخطر على بالنا أن صديقنا القديم الذي يصور نفسه في مكتب أنيق لا يملك إيجار المكتب وجارنا التقط تلك الصور وذهب بعدها إلى عمله الذي لا يكاد يشبعه خبزاً. في الواقع، دائماً هناك حقيقة تختفي خلف تلك الصور اللامعة، وهي حقيقة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه، مفادها أن النجاح الحقيقي عملية بطيئة جداً ومملة، تحيطها الأخطاء والأعمال المضنية، لكنها لا تصور ولا تظهر للجمهور، لأنها لا تحصل على تفاعلهم ولا تحصد "اللايكات"، فتُحذف ويبقى فقط المشهد الأخير -إن كان مشهداً لنجاح فعلي- لكن هذه العملية تشكّل ضغطاً مستمراً علينا وغير مُعلَن، ضغطاً يجعل الكثير منا يتصرّف تصرفات غير منطقية؛ كشراء ملابس لا يحتاجها، لكن يريد أن يبدو مهنياً بها عندما يلتقط صورة لنشرها على لينكدن، أو أن تذهب موظفة إلى مطعم لتناول وجبة تستهلك نصف راتبها، لأن الصورة "تستاهل".
المؤلم في هذه الثقافة أنها لا تؤدي إلى النجاح بقدر ما تحوّل الفشل إلى خزي شخصي؛ فعندما يظهر أحدهم ويقول لك: "فلان فعل كذا وحصل على كذا، فما عذرك أنت؟" وهذه جملة يكررها من يسمون أنفسهم بالتحفيزيين، فهو في الواقع يقول لك إذا لم تحقق النجاح فأنت المشكلة، وليس الظروف أو البيئة التي وُجدت فيها، ولا حتى الفرص الضئيلة. وهو خطاب يُرهق من يستمع إليه ويثقل كاهله.
المشكلة هنا تتلخص في منظومة تعمل على إقناعنا بأن طريق النجاح يجب أن يبدو سالكاً على إنستغرام، وأي نجاح غير مصحوب بمحتوى لامع هو نجاح ناقص.
* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية