أ.د. فراس محمد
شرق وغرب
سنوات طويلة وكلٌ منا يرتقي سلماً للوصول إلى القمة، وكثير منا عندما يبلغها – بالحصول على ترقية طاردها عشر سنوات، أو بيتا لطالما حلم به فاشتراه، أو جائزة خطط لها طويلاً وأخيراً حصل عليها ـ يراوده شعور باهت، وصمت يلوح بعده سؤال يقول: ثم ماذا؟ وهل يستحق هذا كل ما مضى؟ هذا الصمت الذي يعقب الانتصار ليس خللاً وعيباً في صاحبه، بل إشارة...
«لا أريد أكثر من حماية نفسي» عبارة يقولها أكثر الناس لآخرين، قد تبدو مقبولة ومشروعة، لكن خلفها يختبئ مفهوم قاسٍ، فيه نوع من العنف غير الصريح، وقسوة لا تصدر ضجيجاً، لكنها كفيلة بتحويل المجتمع إلى ساحة صراع، يحاول فيها كل فرد النجاة على حساب الآخر. في الظاهر يبدو الأمر طبيعياً، كل إنسان يواجه أعباء الحياة المتزايدة، يرفع سقف...
قطعة ثياب اشتريتها بعد أن جذبتني وهي معروضة في أحد محلات الملابس، وبعد أن وصلت إلى البيت علقتها بانتظار مناسبة تستحق أن تلبس لها هذه القطعة، فمرت الأيام والقطعة معلقة كما هي تنتظر اليوم الذي لم يأتِ بَعد، إنها ليست قطعة قماش، بل هي صورة مصغرة لحياتنا وطريقة عيشها، نحتفظ بأفضل ما لدينا للحظة نظنها أجمل وأرقى من حاضرنا، فيمر...
كم مرة جلست في سيارتك، بعد أن وصلت إلى بيتك، عائداً من عملك، وبقيت جالساً فيها دقائق، لا لأنك لا تريد لقاء أهل بيتك المنتظرين وصولك، بل لأنك تحتاج هذه الدقائق، لإعادة جمع ما تبقى منك، وترتيب ملامحك، لتنزل بعدها من سيارتك، وكأن شيئا لم يكن، وكم مرة رأيت شخصاً يفعل ذلك وأنت تراقب ما يفعله غيرك؟ وكم مرة تجهزت في الصباح الباكر لتذهب...
ليس منا من أحد إلا وترك رسالة معلقة على واتساب لم يرد عليها، لساعات أو ربما لأيام، أو حتى مكالمة فائتة لم يرد عليها، أو مكالمة لابد من إجرائها أجلها، لا لأنه لا يحب مرسلها، بل لأنه يعرف مسبقاً أن الرد لن يكون قصيراً، أو أن المكالمة ستستغرق وقتاً طويلاً، لعتاب أو لاستقبال وإرسال مشاعر، في تلك اللحظات يعرف الإنسان جيداً أنه يود...
في صباح العيد -وربما في مساء اليوم الذي سبقه- تتدفق إلى هاتفك رسائل بلا توقف، وهي عبارة عن وردة، هلال، دعاء، كوب قهوة بخاره يتصاعد، ثم العبارة الكبرى: «عيد مبارك»، تحاول معرفة المرسل، لأنك فعلياً وجدت الرسالة نفسها في ثلاث مجموعات مختلفة، لكنك لا تشغل بالك كثيراً، فقط، تكتب: «كل عام وأنتم بخير» للجميع، وتعود للنوم، وها قد بدأ...
في زحمة المحتوى الرقمي، وما يتلاطم فيه من صخب وسطحية، تظهر أحياناً أصوات تستوقفك، وتلزمك بإعادة تشغيلها والاستماع مرةً ومرتين، ليس لأنها كلمات أغنية بلحن عذب، بل لأنك تريد استيعابها، بعدما أيقنت من المرة الأولى أنها حقيقة. صادفت قبل أيام قليلة مقطعاً في تيك توك، لا أعرف صاحبه، ولم تظهر صورته، لكن كلامه كان من تلك النوعية...
في فيلم (Munich) لستيفن سبيلبرغ، لا تبدأ الصدمة بإطلاق رصاصة ولا بانفجار، تبدأ بمشهد أكثر برودةً وأشد إيلاماً، أشخاص عاديو المظهر، يحملون جوازات سفر نظيفة، يسكنون أحياءً هادئة، يتحدثون لغة المكان بلكنته، ثم في لحظة محددة يتحولون إلى شيء آخر تماماً. سبيلبرغ لم يخترع ذلك من فراغ، إنما استلهمه من الواقع، لأن الخلايا الحقيقية لا تبدو...
الحروب والأزمات كانت على مر التاريخ، المختبر الحقيقي لوحدة الصف الداخلي لأي أمة أو دولة. فعلى سبيل المثال في غزوة الأحزاب، حين بلغت القلوب الحناجر، وزُلزل المسلمون زلزالاً شديداً، تجلى الالتفاف حول القيادة، باعتباره ضرورة وجودية، لا مجاملة وإسقاط فرض، فقد عمل كطوق نجاة، حفظ كيان الدولة ووجودها. ولا يقتصر الأمر على المسلمين؛...
في الخامس من أكتوبر 2021، جلست فرانسيس هوغن، وهي موظفة سابقة في فيس بوك، أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، وأمامها مجموعة من الوثائق الداخلية التي حصلت عليها قبل مغادرتها الشركة، وسربتها بعد ذلك، لم تكن تلك الوثائق مجرد انطباعات؛ بل تضمّنت أبحاثاً داخلية تتعلق بمنصة إنستغرام، بيّنت أن استخدام المنصة يرفع عند بعض المستخدمين، لاسيما...
السير إدغار شباير كان من أبرز الشخصيات المالية والثقافية في بريطانيا في أوائل القرن العشرين، فقد حصل على لقب baronet وعُيّن عضواً في مجلس Privy Council بتوصية من صديقه رئيس الوزراء هربرت أسكويث، وكان من أصدقاء ونستون تشرشل، لكن سلوكه المنحاز إلى ألمانيا ضد بلاده خلال الحرب العالمية الأولى انتهى بإدانته بعدم الولاء والسخط على الدولة، ثم...
أحد الأصدقاء وهو من الظرفاء، عاش الفترة الأطول من حياته في بلد غير بلده، وأحب ذلك البلد وأهله وتعلق به، وفي كل مرة يتذكر فيها بلده الأم، يقول: أنا ولدت في خطأ جغرافي، ليس هذا مكاني، وفي كل مرة يوجه له الكلام بالنقد الممزوج بالمدح، يرد بقوله: "ما لكم؟! أنا في الأساس خطأ جغرافي"! في الحقيقة كلام صاحبنا الذي يلقيه مازحاً بين الحين...