الحروب والأزمات كانت على مر التاريخ، المختبر الحقيقي لوحدة الصف الداخلي لأي أمة أو دولة. فعلى سبيل المثال في غزوة الأحزاب، حين بلغت القلوب الحناجر، وزُلزل المسلمون زلزالاً شديداً، تجلى الالتفاف حول القيادة، باعتباره ضرورة وجودية، لا مجاملة وإسقاط فرض، فقد عمل كطوق نجاة، حفظ كيان الدولة ووجودها.
ولا يقتصر الأمر على المسلمين؛ ففي الحرب العالمية الثانية عندما اجتاحت جيوش هتلر أوروبا، وبقيت بريطانيا وحيدة في مواجهة آلة الحرب، وقف تشرشل، أمام شعبه، مؤكداً أن وحدة الصف الوطني، والالتفاف حول القيادة، سد منيع أمام الانهيار، محذراً شعبه من الانقسام الداخلي، كونه أقصر طريق لتحقيق الهزيمة.
لذا، فإن وحدة الصف والالتفاف حول القائد، قاعدة ذهبية على مر التاريخ القديم والمعاصر، والأمثلة التي لا تعد ولا تحصى تؤكد أن الولاء والالتفاف حول القيادة خط الدفاع الأول أمام أي عدو.
في لحظة تاريخية حاسمة، جاء حديث جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وتوجيهاته السامية الحازمة، في التعامل مع من خانوا الوطن واختاروا الاصطفاف مع عدوه، لا كإجراء أمني عادي، بل استراتيجية ورؤية واضحة، للهوية الوطنية، ورسالة قوة وحزم. وهو خيار لا مناص عنه، بخلافه السماح بالاختراق الداخلي، وهو أخطر من صواريخ ومسيّرات العدو الإيراني الغاشم.
فالولاء والانتماء لا يتجزآن، والجنسية ليست مجرد وثيقة إدارية، إنما هي عهد وميثاق، يترتب عليهما التزامات لا تقبل المساومة. إن ما يميز موقف جلالة الملك المعظم، أنه ترجم الاستراتيجية والرؤية السامية إلى إجراءات ملموسة، نفذتها الحكومة بحق من خانوا الوطن وحاولوا المساس بأمنه واستقراره.
إن فهم الموقف السامي لجلالته يتطلب إدراكاً عميقاً للسياق السياسي والاقتصادي والاستراتيجي المرتبط به؛ فالوحدة الداخلية والولاء الوطني ليسا رفاهية، بل ضرورة.
فأي اختراق داخلي أو اختلال في وحدة الصف، سيُضعف قدرة الدولة على الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والأمنية، في أثناء الصراع الإقليمي الجاري، والتعامل الحازم مع من أخلّوا بعهدهم وميثاقهم، وهو ليس فعلاً عاطفياً، إنما هو استجابة سريعة لحماية أمن البلاد.
لقد قدّم جلالة الملك المعظم، نموذجاً يحتذى به للقيادة في الأزمات؛ فبدلاً من البحث عن حلول وسط، والتأثر بالضغوط الخارجية، ذهب إلى الحزم والوضوح، وقدّم تعريفاً لمفهوم الجنسية، تعريفاً يوضح الالتزامات المترتبة على حاملها، وبين أن الولاء للوطن لا يتجزأ، والانتماء لا يقبل القسمة، وأن من يختار العدو، عليه أن يذهب إليه، فلا مكان له على أرض الوطن، موقف قيادي يقول للعالم: إن البحرين مملكة قوية حازمة، لا تتسامح مع الخيانة، ولا ترضى بالاختراق الداخلي، ليأتي بعد الموقف مباشرة الالتفاف الشعبي حول القيادة، ومواقف التأييد، التي تؤكد حقيقة أن الدولة عندما تواجه التهديدات لا تملك رفاهية المواقف الداخلية المختلفة والمتعددة، فجاءت بعدها مواقف الدول السياسية المؤيدة لكل الإجراءات المتخذة.
في هذه المرحلة الحاسمة، وضع جلالة الملك المعظم، القاعدة وهي مبدأ أساسي (الجنسية عهد وميثاق، تفرض الولاء المطلق للوطن، ومن يخون العهد يفقد الانتماء للوطن) قاعدة لا مرونة فيها، ولا تعرف الاستثناءات، ولا تقبل التأويلات، وفي الوقت ذاته أثبت معادلة مهمة في الحسابات الاستراتيجية: (الدول التي تواجه تهديدات إقليمية كبرى عليها أن تحافظ على وحدتها الداخلية وتحفظ نفسها من الاختراق وإلا ستكون أمام خطر أشد من خطر الصواريخ)، هذه المعادلة هي الفارق بين البقاء والانهيار في وقت الصراعات الإقليمية.
* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية