فتحت هاتفي في ساعة لا أذكرها تماماً؛ ربما صباحاً لم يكتمل، أو مساءً بدأ يهدأ، أو لحظة انتظار قصيرة سرقها الهاتف مني كما يسرق الطفل قطعة حلوى من جيبه. كان كوب الشاي بجانبي، لا أمد يدي إليه بسرعة كما أفعل كل مرة، كأنه هو الآخر صار ينتظر أن أرفع عيني من الشاشة ليقول لي: أنا هنا أيضاً، وفيّ دفء لا يحتاج إلى شاحن ولا كلمة مرور.
بين مقطع ومقطع، يتبدل العالم أمامنا بلا استئذان. لقطة من أعماق البحر، وأخرى من فوق جبل، ضحكة طفل، خبر عاجل، ثم صوت غريب يتحدث عن بلادنا وكأنه يعرف كل أسرارها. في هذه اللحظة لا يعود الهاتف جهازاً صغيراً، بل نافذة واسعة يدخل منها الصدق والكذب، والحنين والفتنة، والحقيقة وما يشبه الحقيقة.
استوقفني مقطع يتكلم عن البحرين وعن إجراءات سيادية أعلنتها الدولة في شأن من ارتبطوا، بالتعاطف مع أعمال عدائية أو التخابر مع جهات خارجية. كان المتحدث واثقاً جداً، وربما واثقاً أكثر مما ينبغي. يشرح ويحلل ويحكم، ولا تدري هل سهر يقرأ القوانين والوقائع، أم أن نصاً جاهزاً صاغه له ذكاء اصطناعي ثم ألبسه صوتاً مؤثراً وصورة مرتبة.
هنا تذكرت أن مواقع التواصل لا تعطينا الخبر فقط، بل تعطينا شعوراً سريعاً معه. تغضبنا قبل أن نفهم، وتؤثر فينا قبل أن نتحقق. وفي زمن الذكاء الاصطناعي، صار المقطع الجميل قادراً على أن يخدع، والمقطع المؤثر قادراً على أن يزرع شبهة، والمقطع القصير قادراً على أن يشعل حديث مجلس كامل.
والأخطر أن الكذب اليوم لا يأتي دائماً بوجه قبيح. أحياناً يأتي بنصف حقيقة، بصورة قديمة، أو بعبارة مقتطعة، أو بمشهد صحيح وُضع في سياق خاطئ. لذلك صارت مسؤوليتنا اليومية أكبر من مجرد المشاهدة. نحن لا نمسك الهاتف وحدنا؛ نحن نمسك معه مزاج البيت، وحديث المجلس، وطمأنينة الأبناء. ضغطة مشاركة واحدة قد تطير إلى عشرات البيوت قبل أن نكتشف أننا كنا جسراً لشيء لا نريده. لم أكمل الفيديو. ليس هروباً من الرأي الآخر، بل لأنني تعلّمت أن الوطن لا يُفهم من مقطع عابر، ولا تُقاس النوايا من تعليق مجهول. أغلقت الصوت قليلاً، وعدت إلى الشاي، فوجدته أبسط من كل هذه الضجة: ساخناً، صادقاً، لا يحاول إقناعي بشيء. ثم انتقلت إلى مقطع آخر، فإذا بعلم البحرين يرفرف في مشهد جميل، ومعه كلمات عن الوفاء والولاء، وصور لجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، وصور لصاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله. بدا واضحاً أنه مصمم بتقنية حديثة، حيث يلامس القلب لأنه خرج من معنى نعرفه: حب البحرين.
التقنية ليست عدواً، لكنها ليست بريئة دائماً. هي مثل الطريق؛ يأخذك إلى بيتك، وقد يأخذ غيرك إلى الفتنة. لذلك نحتاج أن نعلّم أنفسنا قبل أبنائنا سؤالاً بسيطاً قبل المشاركة: من قال؟ ولماذا الآن؟ وهل هذا يخدم الحقيقة أم يخدم من يريد أن يفرقنا؟ وما زال ذلك المقطع الجميل عالقاً في بالي، والعلم يرفرف كأنه يردّ على ضجيج الشاشة كله. وفي تلك اللحظة، لم أجد أصدق من كلمة ولاء تخرج من القلب: سيدي جلالة الملك المعظم، لكم منا التأييد والولاء، ونحن على العهد باقون، صفاً واحداً خلف قيادتكم الحكيمة، من أجل البحرين وأمنها ووحدة أهلها. فالوطن لا يُعاد توجيهه بزر، ولا تهزّه مقاطع عابرة.
* خبير تقني