مع انتهاء أيام عيد الأضحى المبارك، يبدأ كثير من الحجاج في ترتيب رحلة العودة إلى أوطانهم، بينما يمدّ بعضهم إقامته أياماً أخرى، قاصداً المدينة المنورة للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأن رحلة الحج لا تريد أن تنتهي سريعاً. وفي هذه اللحظات، بين حقائب تُغلق، وحافلات تتحرك، ومطارات تستعد لاستقبال أفواج العائدين، يبقى السؤال حاضراً: كيف يمكن لهذا العدد الهائل من البشر أن يتحرك بهذا التنظيم، وفي وقت واحد، ومن أماكن متعددة، دون أن يتحول المشهد إلى فوضى يصعب ضبطها؟
هنا لا نتحدث عن تطبيق في هاتف، ولا عن جهاز لامع يظهر في صورة إعلامية، بل عن منظومة كاملة تعمل في الخلفية؛ منظومة أمنية ولوجستية وصحية وخدمية وتقنية، تسند بعضها بعضاً، حتى تصل رحلة الحاج إلى نهايتها بسلام. وما تقوم به حكومة المملكة العربية السعودية في موسم الحج ليس عملاً موسمياً عابراً، بل مشروعاً ضخماً يبدأ قبل أن يصل الحاج، ويستمر حتى يغادر آخر حاج، بتخطيط وتنظيم وجهود أمنية وبشرية وتقنية تستحق التقدير.
التكنولوجيا في الحج لم تعد تلك الكلمة الثقيلة التي نسمعها في المؤتمرات ثم نبحث عنها فلا نجدها إلا في شاشة عرض وابتسامة مسؤول. صارت تدخل في التفاصيل التي لا يلتفت إليها الحاج كثيراً، لكنها تصنع فرقاً كبيراً في راحته وسلامته. في حركة الحشود، ومسارات الحافلات، وجاهزية المرافق الصحية، وإدارة البلاغات، ومراقبة الكثافات، تعمل التقنية كعقل هادئ لا ينام، يرى الزحام قبل أن يتعب الناس منه، ويدفع بالخدمة قبل أن تتحول الحاجة إلى أزمة.
أجمل ما في التقنية أنها حين تنجح تختفي. لا يقف الحاج ليصفق للبيانات التي رتبت الطريق، ولا للأنظمة التي وجّهت الحافلات، ولا لغرف العمليات التي تابعت المشهد لحظة بلحظة. هو فقط يشعر أن الرحلة أخف، وأن الخطوات أقل قسوة، وأن الضياع الذي كان قديماً جزءاً من "حكايات الحج” صار اليوم موقفاً قصيراً ينتهي بتوجيه واضح أو مساعدة قريبة.
حتى اللوجستيات، وهي كلمة تصلح لأن تكون اسم دواء للصداع، أصبحت في الحج فناً قائماً بذاته. تخيلوا بيتاً بحرينياً قبل العيد: من يشتري اللحم؟ من يجهز الأرز؟ من نسي الليمون؟ إذا غابت الإدارة، تحوّل الغداء إلى أزمة عائلية كبرى. فما بالك بملايين البشر يريدون ماءً ومواصلات وسكناً ورعاية وطمأنينة في وقت واحد؟ هنا لا تكون التقنية رفاهية، بل عقلاً إضافياً يساعد البشر على خدمة البشر.
وفي الجانب الأمني، ليست المسألة عيوناً تراقب فقط، بل منظومة تسهر كي لا يتعب أحد أكثر مما يجب. التقنية الجيدة لا تسرق إنسانية المكان، بل تحرسها؛ تجعل رجل الأمن أقرب للمساعدة، والطبيب أسرع للوصول، والمرشد أقدر على الإجابة.
الحج يعلّمنا أن أكبر المشاريع تبدأ من أبسط سؤال: كيف نجعل الطريق أهون على الإنسان؟ وهذا سؤال يصلح لنا في البحرين أيضاً؛ في المستشفيات، والمنافذ، والمدارس، والطرق، وحتى في انتظار مواقف السيارات، الذي يختبر إيمان الإنسان قبل صبره.
التقنية ليست سحراً، لكنها حين توضع في خدمة الرحمة تصبح أقرب إلى يد تمتد في الزحام وتقول: تعال من هنا، الطريق أسهل.