عادت إيران الأسبوع الماضي لممارسة دورها الذي تتقنه بامتياز، الغدر بالجيران الذين ما فتئت تسميهم في العلن «أشقاء». فقد تفاجأ مواطنو مملكة البحرين ودولة الكويت بهجوم مباغت عبر طائرات مسيرة وصواريخ باليستية، في تصعيد خطير يثبت مجدداً أن طهران لا تعيش إلا على تصدير أزماتها. وكما هي العادة في القاموس السياسي الإيراني، بدأ المشهد بالإنكار والتنصل من المسؤولية، لينقشع القناع سريعاً وتخرج لنا إيران بتبريرات واهية وغير منطقية، تدعي فيها أن هذا الاعتداء السافر هو «حق رد شرعي» نتيجة تعرض ناقلة نفط تابعة لها ومنشآت عسكرية في جزيرة قشم لهجوم أمريكي.
ولم يتوقف العبث عند هذا الحد، بل امتد إلى الساحة الإعلامية، حيث برزت علامة استفهام كبرى حول سذاجة بعض القنوات الإقليمية البارزة في تغطيتها للحدث. نحن لا نقول إن هذه المنابر تتعاون مع إيران أو تتبنى روايتها عن قصد، ولكنها بـ«سذاجة» انزلقت للتركيز على محور ثانوي وجدل عبثي، هل الضرر الذي لحق ببعض المنشآت المدنية كان بسبب المسيرة ذاتها أم بسبب الصاروخ الاعتراضي أو الشظايا المتناثرة؟لقد تركت هذه الوسائل صلب الأمر واختارت الغرق في تفاصيل هامشية، بدلاً من التمسك بطرح واحد حازم يفضح طهران ويؤكد على حقيقة لا تقبل الجدل، في كل الحالات، الضرر هو نتيجة حتمية لـ «أصل الفعل» المتمثل في الهجوم، وليس لـ «ردة الفعل».
كان الأجدر بهذه القنوات ألا تنجر خلف مسرحية «من أصاب أولاً»، بل أن توجه البوصلة لمحاسبة المعتدي بالتساؤل الصريح، لماذا وصلت مسيراتكم وصواريخكم إلينا أساساً؟ ولماذا تُوجَّه نحو أهداف مدنية في دول مسالمة لم تكن يوماً طرفاً في الصراع، بل سعت لسنوات طويلة لإنهائه عبر الحلول الدبلوماسية؟ متناسين الحقيقة الثابتة، لولا رعونة طهران وصواريخها الغادرة، لما انطلق صاروخ اعتراضي واحد من الأساس.
ولحسم هذا الجدل العبثي، جاء الرد الكويتي العملي بعد أيام قليلة عبر عرض مقاطع مصورة توثق لحظة إصابة طائرة مسيرة بشكل مباشر لأحد مباني المطار. هذا التوثيق الدامغ أنهى بضربة واحدة كل الأكاذيب والأقاويل الإيرانية، وأسكت الأبواق التي روجت لنظرية الشظايا والاعتراض، ليثبت للعالم أجمع أنه كان هجوماً غادراً استهدف منشأة مدنية بحتة مع سبق الإصرار. وأمام هذا الدليل الفاضح، تهاوت كل الأعذار الإيرانية لتستقر في النهاية عند مقولة بائسة ومبتذلة، «ضربونا.. فضربناكم»، وكأننا أمام مشاجرة أطفال طائشة، لا أمام دولة تدعي الثقل الإقليمي والسياسي.
وإذا كانت مبررات طهران تتمحور حول ممارسة «حق الرد» نتيجة استهداف طرف ثالث لمنشآتها، فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة، لماذا لا تمارسون هذا الحق ضد المعتدي الحقيقي؟! البوارج الأمريكية تتجول بكل أريحية ودون أي مضايقات بالقرب من السواحل الإيرانية، فلماذا الهروب من المواجهة المباشرة والبحث عن دول جارة، لا ناقة لها ولا جمل، لتحميلها وزر هذه الصراعات؟
إن أي هجوم غاشم على أي دولة خليجية، سواء استهدف موقعاً مدنياً أو عسكرياً، هو اعتداء مرفوض جملة وتفصيلاً. فهذه الدول لم تكن يوماً طرفاً في النزاع، ولم تفتعل الأزمات، ولم تكن السبب في حالة الفوضى والتردي التي تعيشها المنطقة. السبب الأوحد لكل هذا الخراب هو سياساتكم ومغامراتكم العبثية، التي تحاولون من خلالها التغطية على ضعفكم عبر استعراض عضلات وهمي على الجيران.. فيا إيران، من يفتقد الشجاعة لمواجهة خصمه الحقيقي، لا يملك شرف الحديث عن حق الرد.