شيخة الرمزان

لم نكنْ نقولُ يوماً «آيسكريم»، كانتِ الكلمةُ تبدو بعيدةً قليلاً عن دفءِ الفريجِ ولهجتِه، لذلك كنّا نقولها بطريقتنا التي تشبهُنا: «عَسْكريم»؛ كلمةٌ أكثرُ ألفةً، كأنَّها خرجتْ من قلبِ الأزقّةِ القديمةِ نفسها.

وكانَ الصيفُ، رغمَ قيظه، أخفَّ ممّا يبدو الآن، لا لأنَّ الشمسَ كانت أرحم، بل لأنَّ الطفولةَ كانت تعرفُ كيفَ تُطيلُ الفرح. ففي الفريجِ القديم، حيثُ البيوتُ متجاورةٌ كأنَّها عائلةٌ واحدة، والأبوابُ نصفُ مفتوحة، كان الطريقُ إلى الدكّانِ يبدو رحلةً صغيرةً نحو كنزٍ منتظر؛ رائحةُ الغداءِ تتسرّبُ من البيوت، وضحكاتُ الأطفالِ تسبقُ خطاهم، وصوتٌ صغيرٌ يتردّدُ بحماس: «آبي عَسْكريم!»عندَ زاويةِ «الفريجِ» يقفُ الدكّانُ الصغيرُ كأنَّهُ قلبُ الحكاية؛ بابُهُ مفتوحٌ دائماً، وصاحبُهُ يعرفُ الأطفالَ بوجوهِهم ولهفتِهم.

يبتسمُ لضجيجهم، ويفتحُ «الثلاجة» ببطءٍ صغيرٍ كأنَّهُ يشاركهم الطقسَ السريَّ للفرح، بينما تتعلّقُ العيونُ بما في الداخل. وإذا نقصتْ نقودُ طفلٍ، يلوّحُ بيده ببساطةٍ أبوية: «بعدين»، فيخرجُ الطفلُ فرحاً كأنَّهُ ربحَ العالم.

حتى الدكّانُ نفسهُ كان يبدو حيّاً؛ رفوفٌ مزدحمةٌ بحلوى ملوّنة، وعلبُ بسكويتٍ تلمعُ خلفَ الزجاج ، ومروحةٌ قديمةٌ تدورُ بكسلٍ فوقَ الرؤوسِ كأنّها تشاركُ القيظَ حكايتَه. وهناك، عندَ البابِ المفتوحِ دائماً، كانَ الأطفالُ يدخلونَ ويخرجونَ كما لو أنّ المكانَ بيتٌ آخر للفريج.

وهناك، وسطَ البرودةِ الخارجةِ من «الثلاجة»، يظهرُ بطلُ الحكاية: «عسكريم بو خَرَز» قطعةٌ بيضاءُ كالحليب على عودٍ خشبي، تغمرُها حبيباتٌ دائريةٌ صغيرة، مستديرةٌ كأنّها خرزاتُ فرحٍ هبطتْ من قوسِ قزح؛ حمراءُ تضحك، وصفراءُ تلمعُ مثلَ ذرّاتِ شمس، وخضراءُ كطمأنينةِ نخلة، وزرقاءُ كقطراتِ بحرٍ صغيرة. مختلفةٌ في ألوانِها، لكنّها متجاورةٌ في انسجامٍ مدهش.

وكانَ الطفلُ يقبضُ على نقودِه القليلة كأنّهُ يحملُ كنزًا، يفتحُ ورقةَ الـ«عسكريم بو خَرَز» فتبدأُ حفلةٌ صغيرة؛ أصابعُ باردة، وضحكاتٌ تتعالى، وأطفالٌ يركضونَ في الأزقّةِ كأنَّهم يحملونَ شمساً صغيرةً تُذيبُ المللَ والوقت. ولم يكن «عسكريم بو خَرَز» ملكاً لطفلٍ واحد؛ تمتدُّ يدُ أخٍ لقضمة، وتقتربُ أختٌ: «باذوق منه شوي»، ويضحكُ الجميعُ كأنَّ الفرحَ لا يكتملُ إلا إذا اقتُسم.

وفي تلكَ التفاصيلِ الصغيرة، كان شيءٌ أكبرُ من العسكريمِ نفسه يتشكّلُ بهدوء؛ شيءٌ يشبهُ الألفةَ والوطن. فالفريجُ لم يكنْ يعرفُ الناسَ باختلافِ مذاهبِهم وطوائفِهم بقدرِ ما يعرفُهم بالمحبّةِ وسلامِ الجيرانِ والأبوابِ المفتوحة.

ولعلَّ السرَّ كلَّه كان يختبئُ فوقَ سطحِ «عسكريم بو خَرَز» نفسه؛ في تلكَ الحبيباتِ الصغيرةِ المختلفةِ لوناً، التي لا تتشابهُ لكنها تبدو أجملَ حينَ تجتمع. الأحمرُ لا يُقصي الأزرق، والأخضرُ لا يخشى الأصفر، بل تتجاورُ جميعُها في ألفةٍ هادئة، كما تتجاورُ القلوبُ في وطنٍ يعرفُ أنَّ الاختلافَ لا يُفسدُ المحبّة.

هكذا تبدو الحياةُ أيضاً؛ ليست نسخةً واحدةً من الوجوهِ والطباع، بل فسيفساءُ أرواحٍ تتجاورُ كي يكتملَ المشهد. بعضُ الناسِ يشبهونَ ألواناً صاخبةً من الفرح، وبعضُهم يشبهونَ الظلالَ الهادئة، بعضُهم يشبهونَ البحرَ إذا هدأ، لكنَّ اختلافهم لا يُنقصُ المعنى.. بل يصنعه.

وربّما لهذا، حينَ نكبر، لا نشتاقُ إلى «عسكريم بو خَرَز» لطعمِه وحده، بل إلى الدرسِ الصغيرِ الذي تركهُ فينا: أنَّ الأشياءَ الجميلةَ لا تحتاجُ أن تتشابه كي تبقى جميلة.