شيخة الرمزان
في المقالِ السابق، سرنا مع كشتاتِ القيظ منذ لحظةِ التجمعِ في الفريج، حتى عادت بنا الحافلةُ مع غروبِ الشمس، وقد حملت معنا ضحكاتِ يومٍ لا يُنسى. لكنَّ الذكرياتِ الجميلةَ تشبهُ البحر؛ كلما غصنا فيها أكثر، أخرجت لنا لآلئ جديدة. لذلك، لن نكررَ الرحلة، بل سنعود إليها من نافذةٍ أخرى، لنلتقطَ تفاصيلَ صغيرةً لم تكن صغيرةً في الحقيقة، بل...
هذا الصباح... لم تستيقظ القصائد في موعدها. كان ثمة شيءٌ غريبٌ يسري بين رفوف المكتبات؛ الكتبُ متلاصقةٌ كأنها تتعزّى ببعضها، والدواوينُ مطرقةُ الرؤوس، والأوراقُ البيضاء تنتظر قلمًا تعرف أنه لن يعود. وحين سألتُ أحدَ الرفوف: ما الذي حدث؟ أجابني بصوتٍ يشبه حفيف الصفحات: لقد رحل علي عبدالله خليفة... عندها فقط، فهمتُ لماذا انطفأت قناديل...
تخيّلتُ الزمنَ في ذلك الصباحِ يقفُ قليلاً أمام البحرين، ينظرُ إلى البيوتِ المضيئةِ بأهلها، ثم يبتسمُ ويقول: ما زالت هناك قلوبٌ تريدُ أن تقولَ شيئاً لوطنِها، فلنمنحها مزيداً من الوقت. ولعلَّ هذا هو أجملُ ما حمله خبرُ تمديدِ فترةِ استلامِ وثائقِ الولاءِ والتأييد؛ إذ بدا وكأنَّ الأيامَ نفسها قد قرّرت أن تُبطئَ خطاها، وأن تؤجِّلَ...
في زمانٍ يختلفُ عن هذا الزمان، في بساطتِه وفي سعةِ الوقت، في جمالِ الناس بابتسامتهم الدائمة على الرغم ممّا يحملونه في صدورهم أحياناً من هَمِّ، لكن الأصول تحكمهم، والأثرة تتقدمهم و(السنع) يفرضُ عليهم أنْ يتسامحوا مع أقربائهم وجيرانهم، يذوّبون المشاكل الصغيرة في اللحظة ذاتها، بالتسامح من الطرفين فـ(العيبُ) و(المنقود) يؤطّر...
صبيحةَ هذا اليوم، بعثتْ إليَّ إحدى صديقاتي صوراً لهدايا الحُجّاج القديمة، تلك «الصُّوَايغ» البسيطة، المتنوعة التي كان الحجُّاجُ يحملونها معهم للأطفال عند عودتهم من الديار المقدسة. وما إن وقعت عيناي على الصور حتى اهتزّت الذاكرةُ فجأةً، وانفتح بابٌ واسعٌ من الحنين. لم أرَ مجردَ هدايا قديمة، بل رأيتُ طفولةً كاملةً تخرجُ من بين...
في إحدى حفلاتِ تخرُّجِ الروضة، وأنا أتابعُ الأطفالَ وهم يقفونَ على المسرحِ بملابسِهم الجميلة، وابتسامتهم البريئة، فإذا بهم يرفعُون رأسَهم عالياً ويُنشدُون النشيدَ الوطنيَّ بكلِّ ما يملكُون من حماس؛ فلم يكن الأطفالُ ينشدون الكلماتِ فحسب، بل كانت عيونُهم تتجهُ بعفويةٍ نحو صورةِ جلالةِ الملك، بمحبةٍ صادقةٍ لا تعرفُ التصنُّع،...
شيخة الرمزان في هذه الأيام، تبدو البحرينُ وكأنها تعيشُ عيدًا من نوعٍ آخر. فموسمُ التخرّجِ ليس مجردَ مناسبةٍ تعليمية، بل هو موسمُ فرحٍ وطنيٍّ واسع، تتسعُ له البيوتُ والشوارعُ والقلوب. في كلِّ منزلٍ حكايةُ نجاح، وفي كلِّ أسرةٍ نبضُ انتظارٍ طويلٍ انتهى بلحظةٍ من الفخرِ الخالص. هناك آباءٌ يتأملون أبناءَهم اليومَ فيتذكرون سنواتٍ...
شيخة الرمزان لم نكنْ نقولُ يوماً «آيسكريم»، كانتِ الكلمةُ تبدو بعيدةً قليلاً عن دفءِ الفريجِ ولهجتِه، لذلك كنّا نقولها بطريقتنا التي تشبهُنا: «عَسْكريم»؛ كلمةٌ أكثرُ ألفةً، كأنَّها خرجتْ من قلبِ الأزقّةِ القديمةِ نفسها. وكانَ الصيفُ، رغمَ قيظه، أخفَّ ممّا يبدو الآن، لا لأنَّ الشمسَ كانت أرحم، بل لأنَّ الطفولةَ كانت تعرفُ...
حين تصدرُ الكلماتُ من مقامِ جلالةِ الملكِ المعظّم، حفظهُ اللهُ ورعاهُ، فإنّها لا تُقرأ بوصفها أبياتاً شعريةً فحسب، بل تُستشعرُ بوصفها رؤيةً وطنيةً وإنسانيةً تنبضُ بحكمةِ القائدِ وحنانِ الأب. فالكلماتُ هنا لا تكتفي بأن تصفَ الوطن، بل تُعيدُ تشكيلَ العلاقةِ به، وتغرسُ في الوجدانِ معنى الانتماءِ بوصفهِ عهداً أخلاقياً ومسؤوليةً...
ليس أجملَ من وطنٍ يعرفُ كيف يحافظُ على هدوئه حين تضجُّ من حوله الرياح. فالعظمةُ لا تُقاسُ بقدرةِ الأوطانِ على تجنّبِ التحديات، بل بقدرتها على العبورِ من خلالها دون أن تفقدَ اتزانَها أو ثقتها بنفسها. وحين تتكئُ الأوطانُ على حكمةِ قادتها، تتحوّلُ الأزماتُ إلى محطاتِ وعي، وتغدو الكلماتُ المخلصةُ جسورًا تعبرُ عليها القلوبُ نحو...
شيخة الرمزان في الأجواءِ الحارّة، حينَ يبدو القيظُ كأنَّهُ شمسٌ طويلةٌ لا تريدُ أنْ تنام، كانتْ كشتاتُ البرك أشبهَ بوعدٍ صغيرٍ بالسعادة ينتظرهُ الجميع. فمنذُ المساءِ السابق، تمتلئُ البيوتُ بحديثِ الغد، وتتحوّلُ الكشتةُ إلى حلمٍ صغيرٍ ينامُ الأطفالُ على عتبتهِ بصعوبة، وهم يتخيّلونَ الماءَ والسباحةَ والركضَ والضحكَ الذي لا...
ما إنْ تشدُّ قوافلُ الحجِّ رحالَها حتى يبدو المشهدُ كأنَّهُ فصلٌ من حكايةٍ روحيةٍ كبرى؛ وجوهٌ يغمرها الشوق، وقلوبٌ تتخفّفُ من ضجيجِ العالم لتسيرَ نحوَ الله، كأنَّ الأرواحَ تستجيبُ لنداءِ قديمٍ ظلَّ ساكنًا في أعماقها منذُ الأزل. يلبسُ الحاجُّ بياضَه، لا بوصفهِ ثوبًا فحسب، بل كأنَّهُ يرتدي صفاءً جديدًا، ويتركُ خلفهُ تعبَ...