صبيحةَ هذا اليوم، بعثتْ إليَّ إحدى صديقاتي صوراً لهدايا الحُجّاج القديمة، تلك «الصُّوَايغ» البسيطة، المتنوعة التي كان الحجُّاجُ يحملونها معهم للأطفال عند عودتهم من الديار المقدسة.
وما إن وقعت عيناي على الصور حتى اهتزّت الذاكرةُ فجأةً، وانفتح بابٌ واسعٌ من الحنين. لم أرَ مجردَ هدايا قديمة، بل رأيتُ طفولةً كاملةً تخرجُ من بين تفاصيلها، وتعودُ إليَّ بأصواتها وألوانها ولهفتها الأولى.
أرى الحوشَ الآن كأنّه أمامي، رجالٌ يتبادلون التهاني، ونساءٌ يباركن للحاجّات عودتهن سالمات، بينما نحن الصغار لا تنشغل أعينُنا إلا بشيءٍ واحد؛ ذلك الصندوق الحديدي الأزرق المزدان بالورود. كان يجلسُ في زاوية الحوش بهدوء، لكنه في نظرنا كان أهمَّ من أي شيءٍ آخر. لم يكن صندوقاً لحفظ الهدايا، بل كان صندوقَ الأحلامِ نفسه.
نتحلّق حوله في دائرةٍ صغيرة، نراقب يدَ الحاج وهي تقترب من غطائه. وما إن يُفتح حتى تلمع العيون قبل أن تلمع الهدايا.
فما إنْ ينتشرَ الخبرُ في الفريج أنَّ الحُجّاجَ قد عادوا من الديارِ المقدّسة، حتى يتغيّرَ إيقاعُ المكانِ كلِّه. كأنَّ الريحَ نفسها تحملُ البشرى من بيتٍ إلى بيت، فتخرجُ أفواجُ الأطفالِ من الأزقّةِ الضيّقةِ، يسبقُ بعضُهم بعضًا بخطواتٍ صغيرةٍ ولهفةٍ كبيرة، كأنَّهم في سباقٍ مع الريح.
ولم يكن أحد بحاجةٍ إلى من يخبرهم بعودة الحجاج، فهناك علامةٌ يعرفها أهلُ الفريج جميعًا، فما إن يعودَ الحجاجُ إلى بيوتهم حتى يُرفع فوق سطح المنزل ثوبُ نَشْلٍ خفيفٌ مطرَّزٌ بالزَّرِيِّ الهندي والفولَك، يرفرفُ مع الهواء كرايةِ فرحٍ جميلة، وكان الثوبُ يأتي بألوانٍ مختلفة؛ فمنه الأحمرُ، ومنه الأخضرُ، ومنه البنفسجيُّ، ومنه الأزرقُ. وما إن تلمحه عيونُ الأطفال فوق أحد البيوت حتى ينطلق الخبرُ في الحي كله: «الحجّاج وصلو... الحجاّج وصلوا».
ولم تكنْ صَوْغَةُ الحاجِّ مجرّدَ هديةٍ تُؤخذ، بل كانت موسمًا من الفرحِ ينتظرهُ الصغارُ كما ينتظرونَ العيد. وكانت البيوتُ يومها مفتوحةً للجميع؛ لا يُسألُ الطارقُ من أيِّ بيتٍ جاء، يكفي أنَّه طفلٌ جاء يشاركُ الفرحَ، فيُستقبلُ بابتسامةٍ ودعوةٍ طيّبة.
وعلى السِّجادِ أو فوقَ المجالسِ ، أو وسط الحوش، تتراصُّ الصُّوَغُ القادمةُ من مكةَ والمدينة، تحملُ عبقَ الأماكنِ المقدّسةِ قبلَ أن تحملَ ألوانَها الجميلة.
هناكَ «الهَبّان» الذي ما إن يقع في يد طفل حتى يبدأ الفريج كله بالصفير ، و «الكيمرا» و «التلفزيون الصغير» الذي كان يبدو كأنَّه قطعةٌ من حكايةٍ قديمة، و«المَرِيّة» المزيّنةُ بالفصوصِ الحمراءِ التي تلمعُ تحتَ الضوءِ كحباتِ الحلوى. وهناكَ الخواتمُ الملوّنةُ التي تختارُها الفتيات بفخرٍ وكأنَّها كنوزٌ ثمينة، والصندوقُ الحديديُّ الأزرقُ المزيّنُ بالورودِ، ذلكَ الصندوقُ الذي كان يفتحُ أبوابَ الخيالِ قبلَ أن يفتحَ غطاءَه.
وتلكَ لم تكنْ حكايةَ طفلٍ واحد، بل كانت طفولتَنا جميعًا في البحرين، طفولةٌ تشبهُ البحرَ حين يجمعُ شواطئَ المدنِ والقرى في موجةٍ واحدة. فما إن يعودَ حُجّاجُ بيتِ الله الحرام، حتى تمتدَّ خيوطُ الفرحِ من أقصى قريةٍ إلى قلبِ المدينة، وتتكررُ الحكايةُ ذاتُها بوجوهٍ مختلفةٍ وقلوبٍ متشابهة.
في المحرّقِ كما في الرفاع، وفي المنامةِ كما في كل القرى الوادعة، كان الأطفالُ يركضونَ بالشغفِ نفسه، ويحدّقونَ في الصناديقِ بالدهشةِ نفسها، وينتظرونَ الصُّوَايغَ بالفرحِ ذاته. وكأنَّ البحرينَ كلَّها كانت تمتلكُ قلبَ طفلٍ واحدٍ يخفقُ انتظاراً للحاجِّ العائد.
ولعلَّ أجملَ ما في الأمرِ أنَّ أولئكَ الأطفالَ الذين كانوا يتحلّقونَ حولَ صناديقِ الحُجّاجِ بالأمس، أصبحوا اليومَ آباءً وأجداداً، لكنَّهم كلما لمحوا صندوقاً يُشبه صناديقَ الحجّاج قديماً أو خاتماً ملوّناً أو مريّةً بفصوصٍ حمراء، عادوا فجأةً إلى ذلكَ الحوشِ البعيد، وعادوا أطفالاً من جديد.