في لحظةٍ عابرة، تمرّ في طريق أو حيّ كنت ترتاده كثيراً في صغرك، أو تظهر أمامك صورة فوتوغرافية قديمة، أو تتسلّل إلى أذنك أغنية كانت تظهر في التلفزيون باستمرار حتى حفظتها عن ظهر قلب، أو تشم رائحة تشبه رائحة اعتدت عليها في بيت الطفولة، وبعد تلك اللحظة السريعة من الذكريات وبشكل مفاجئ يعتصر قلبك، لا تدري هل هو اشتياق لمكان أو زمان أو أشخاص كانوا فغابوا، لكنك إذا فكرت في الأمر بعد زوال اللحظة العاطفية ودققت ستجد أنك لا تشتاق لأيٍّ مما صادفك، لكن ما سبّب لك عصرة في القلب هو اشتياقك لنفسك.

نحن نشتاق إلى نسخة قديمة من أنفسنا، نسخة كانت تفرح من القلب وتضحك دون أن تحسب حساباً لكاميرا توثق تلك اللحظة ولا لانطباعات الآخرين عنا، نسخة كانت عندما تذهب إلى الفراش تنام بعمق؛ لأن الرأس خالٍ من الالتزامات والمسؤوليات، ومؤامرات الآخرين والقلق من المستقبل، نسخة تعتقد أن الحياة غير معقّدة والعالم مكان طيب بشكل عام. لكننا تغيّرنا، ولا ندري متى تغيّرنا، بل لم ننتبه إلى اللحظة التي تغيّرنا فيها؛ لأنها تسلّلت إلينا، ليس فجأة، لكن بوقت قصير يشبه وقت الغروب الذي ينقلنا من النور إلى العتمة. فنحن لم نستيقظ في صباح أحد الأيام ونقرر ألا نتصرف بعفوية بعد الآن ونكون حذرين، في الواقع صرنا على ما نحن عليه اليوم، بعد خيبة هنا وهزيمة هناك وغدر من صديق، ووعد لم يفِ به صاحبه، وباب أُغلق في وجوهنا في لحظة حاجة، وهكذا غادرنا النسخة القديمة من أنفسنا، وعندما نتحدث عن مراحل حياتنا نسمّي النسخة الحديثة منا «النسخة الناضجة» فنقول بعد أن كبرنا ونضجنا وعرفنا الحياة، والنضج كلمة أنيقة، نقولها لنُشعر أنفسنا بتحقيق إنجاز، لكن قد تكون حالة «النضوج» هي سلسلة انكسارات، فـ «كبرت وتعلمت» حصلت من «أصبت وتحصّنت». وحتى لا تختلط الأمور، لابد من بيان أن ليس كل نضج سببه الانكسار، فقد يكون بسبب معرفة العالم، لكننا مع ذلك اخترنا الطيبة. أما عندما يحولنا النضج إلى قساة لأننا عرفنا القسوة، فهذا الذي وراءه الانكسار. ومع ذلك نحن نخلط بين الاثنين، فنسمّي الخوف خبرة، والانكسار حكمة، نعيش الحياة وتمضي بنا الأيام ونعتقد أننا كبرنا، لكن الحقيقة تقول إن أجزاء منا لم تكبر وتوقفت هناك قبل لحظة الغروب، أو نقاط التحول، لم تأتِ معنا وبقيت تنتظر رجوعنا إليها.

عندما تتحرّك مشاعرنا نحو الماضي، فنحن لا نشتاق إلى أيام مضت، بل إلى نسخة قديمة منا، نسخة مازال فيها شيء حي. فالطفل الذي كان في داخلنا لم يمت لكنه اختبأ خلف حواجز من الحذر، وعندما تأتي لحظات الاشتياق هذه، يمكننا أن نسأل: ما الذي فقدناه من أنفسنا ونريد استعادته الآن؟